الذي وجده هلال الصابئ ، في ذكر أحمد بن محمد الطائي ، وما ضمنه من الأعمال وشرطه على نفسه من حمل مال الضمان مياومة إلى بيت المال ، وقد شرح فيه وجوه خرج المياومة . فمن ذلك أثمان الورق ، قال : « أرزاق أكابر الكتاب وأصحاب الدواوين والخزّان والبوّابين والمديرين والأعوان وسائر من في الدواوين ، وثمن الصحف والقراطيس والكاغد . . . أربعة آلاف دينار وسبع مائة في الشهر مائة وستة وخمسين دينارا وثلاثين » « 1 » .
9 - صناعة الورق في بلاد الشام
بعد أن اتسع نطاق صناعة الورق في العراق ، انتقلت منه إلى بلاد الشام ، فأنشئت فيها معامل صنعت أنواعا نفيسة من الورق . وكانت طرابلس الشام من عيون المدن التي فاقت ما سواها من البلدان في صنع الورق . وقد زارها الرحالة الشهير ناصر خسرو في سنة 438 ه ( 1047 م ) وأطرى ورقها بقوله أنّ أهل هذه المدينة « يصنعون بها الورق الجميل مثل ورق سمرقند ، بل أحسن منه « 2 » » .
ومثل هذا الإطراء لا يقع ما لم تكن تلك الصناعة قد تقدّمت في هذه المدينة تقدما محسوسا ، استرعى أنظار هذا السائح الفارسي .
ومن البلدان التي تميزت بصناعة الكاغد منذ المائة الرابعة للهجرة ، طبرية . وقد نوّه بذلك البشاري المقدسي « 3 » .
أما « دمشق » وهي أم المدائن الشامية ، فقد اشتهرت بمعامل ورقها اشتهارا بعيدا .
وقد نوّه بورقها مؤرخو اليونان « 4 » . أما المؤرخون العرب ، فقد مدحوا الورق الدمشقي وأطروا محاسنه . قال أبو البقاء البدري ( وهو من أهل المائة التاسعة للهجرة ) : وفيها تعمل صناعة القرطاس بحسن صقاله ونقي أوصاله » « 5 » . والمراد بالقرطاس هاهنا الكاغد .
وكانت تجارة الورق الشامي رائجة رواجا عظيما ، فقد « كانت أوربة الشرقية تبتاع
هامش
( 1 ) تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء ( ص 20 - 21 ) .
( 2 ) سفرنامه لناصر خسرو ( ص 13 من الترجمة العربية ليحيى الخشّاب ، القاهرة 1945 ) .
( 3 ) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للبشاري المقدسي ( ص 80 طبعة دي غويه ، ليدن 1906 ) .
( 4 ) الإسلام والحضارة العربية لمحمد كرد علي بك ( 1 : 215 ) .
( 5 ) نزهة الأنام في محاسن الشام للبدري ( ص 363 ، القاهرة 1341 ه ) .