لقد أنشأ العرب في جزيرة صقلية « مصانع لصنع الورق ، ومنها انتشرت صناعة الورق في إيطالية » « 1 » .
وكانت أشهر مدن الأندلس التي عرفت بإجادة أبنائها صنع الورق « شاطبة » ، وهي مدينة كبيرة في شرقي الأندلس وشرقي قرطبة . وقد أطنب البلدانيون في مديح كاغدها .
قال الشريف الإدريسي : « ويعمل بها من الكاغد ما لا يوجد له نظير » « 2 » . وقال ياقوت الحموي : « ويعمل الكاغد الجيد فيها ، ويحمل منها إلى سائر بلاد الأندلس » « 3 » .
وقد نوّه المقّري ( المتوفى سنة 1041 ه - 1631 م ) بالورق المنصوري في بلاد الأندلس « 4 » . وهذا الضرب من الورق ، مرّ بنا ذكره في كلامنا على « أنواع الورق » من بحثنا هذا .
أما ورق بلاد الغرب ، فقد ذمه القلقشندي . قال بعد وصفه ورق العراق والشام ومصر :
« ودون ذلك ، ورق أهل الغرب والفرنجة . فهو رديء جدا ، سريع البلى ، قليل المكث .
ولذلك يكتبون المصاحف غالبا في الرق على العادة الأولى ، طلبا لطول البقاء » « 5 » .
12 - صناعة الورق في بلاد فارس
لم تلق صناعة الورق ، في هذه البلاد ، العناية اللائقة بها في صدر الإسلام . وكان منتظرا أن تنتقل صناعته من سمرقند إلى هذه الديار ، قبل انتقالها إلى بغداد . غير أن الأنباء التاريخية لا تروي شيئا عن اهتمام الفرس بصنعه إلّا في عصور متأخرة ، أعني بعد انتشاره في العراق والشام وغيرهما .
ومن أشهر بلاد فارس التي عرفت بجودة ورقها ، بلدة « خونج » التي تسمى أيضا « خونا » . يقول فيها ياقوت إنها تسمى الآن ( في أوائل المائة السابعة للهجرة ) « كاغد كنان » أي صنّاع الكاغد « 6 » . وهذه البلدة على مسيرة يومين من زنجان .
هامش
( 1 ) الإسلام والحضارة العربية ( 1 : 263 ) .
( 2 ) مختصر نزهة المشتاق في اختراق الآفاق للإدريسي ( ص 168 ، طبع رومية ، سنة 1592 م ) .
( 3 ) معجم البلدان ( 3 : 235 طبعة وستنفلد ) ، وانظر : خريدة العجائب ( ص 28 ) .
( 4 ) نفح الطيب للمقرّي ( 1 : 694 طبعة دوزي ) .
( 5 ) صبح الأعشى ( 2 : 477 ) .
( 6 ) معجم البلدان ( 2 : 500 طبعة وستنفلد ) .