وعتقته . ونسي بهاء الدولة المصحف ، ومضى على ذلك نحو السنة . فلما كان ذات يوم ، جرى ذكر أبي علي بن مقلة ، فقال لي : ما كتبت ذلك ؟ قلت بلى . قال : فأعطنيه .
فأحضرت المصحف كاملا ، فلم يزل يقلبه جزءا جزءا ، وهو لا يقف على الجزء الذي بخطي ، ثم قال لي : أيما هو الجزء الذي بخطك ؟ قلت له لم لا تعرفه فيفتر في عينك ، هذا مصحف كامل بخط أبي علي بن مقلة ونكتم سرّنا . قال : افعل ، وتركه في ربعة عند رأسه ولم يعده إلى الخزانة . وأقمت بها مطالبا بالخلعة والدنانير وهو يمطلني ويعدني .
فلما كان يوما قلت : يا مولانا ، في الخزانة بياض صيني وعتيق ومقطوع وصحيح ، فتعطيني المقطوع منه كله دون الصحيح بالخلعة والدنانير . قال مرّ خذه . فمضيت وأخذت جميع ما كان فيها من ذلك النوع ، فكتبت فيه سنين » « 1 » .
8 - صناعة الورق في العراق
عمت شهرة الورق السمرقندي الأقطار ، وظلت سمرقند تمدّ البلاد الأخرى بما تنتجه معاملها من صنوف الورق . ولكن الحال لم تدم طويلا ، فالأخبار التاريخية التي وقفنا عليها ، تنبئ أن صناعة الورق لم تلبث أن خرجت من مكمنها وتسرّبت إلى بعض البلدان الإسلامية ، وفي طليعتها مدينة « بغداد » .
وقد أشار ابن خلدون إشارة نفيسة في هذا الموضوع بقوله في الفصل الذي وسمه ب « صناعة الوراقة » : « كانت السجلات أولا لانتساخ العلوم وكتب الرسائل السلطانية والإقطاعات والصكوك في الرقوق المهيأة بالصناعة من الجلد لكثرة الرفه وقلة التآليف صدر الملة ، وقلة الرسائل السلطانية والصكوك مع ذلك فاقتصروا على الكتاب في الرق تشريفا للمكتوبات وميلا بها إلى الصحة والاتقان . ثم طما بحر التآليف والتدوين وكثر ترسيل السلطان وصكوكه وضاق الرقّ عن ذلك . فأشار الفضل بن يحيى بصناعة الكاغد وصنعه وكتب فيه رسائل السلطان وصكوكه ، واتخذه الناس من بعده صحفا لمكتوباتهم السلطانية والعلمية ، وبلغت الإجادة في صناعته ما شاءت » « 2 » .
فالفضل بن يحيى البرمكي ، وهو من أعيان وزراء بني العباس ، كان أنشأ أول
هامش
( 1 ) معجم الأدباء ( 5 : 446 - 448 ) .
( 2 ) مقدمة ابن خلدون ( ص 206 ، بولاق 1274 ه ) .