ثم أشار ياقوت إشارة ثانية إلى صنع الورق ببغداد في أيامه . قال في كلامه على « چهار سوج » أنها « من محالّ بغداد ، في قبلة الحربية ، خرب ما حولها من المحالّ ، وبقيت هي والنصرية والعتابيون ودار القزّ متصلة بعضها ببعض كالمدينة المفردة في آخر خراب بغداد ، يعمل في هذه المحالّ في أيامنا هذه الكاغد » « 1 » .
وقد أطرى القلقشندي نفاسة الورق البغدادي ، فقال : وأعلى أجناس الورق فما رأيناه « 2 » البغدادي : وهو ورق ثخين مع ليونة ورقة حاشية وتناسب أجزاء ، وقطعه وافر جدا ، ولا يكتب فيه في الغالب إلا المصاحف الشريفة . وربما استعمله كتّاب الإنشاء في مكاتبات القانات ونحوها « 3 » » .
وفي كلامنا على أنواع الورق ، كنا نوهنا بالدرج المنصوري الذي كان يعطى لمن يخرج من دار الوزير أبي الحسن بن الفرات وقت عشاء . وقد ذكر ابن الطقطقي الخبر بوجه آخر نسوقه هاهنا لفائدته في معرفة وفرة الورق يوم ذاك في العراق ، قال : « وتولى ابن الفرات الوزارة ثلاث دفعات للمقتدر . قالوا : كان إذا ولي ابن الفرات ، يغلو الشمع والثلج والكاغد لكثرة استعماله لذلك . لأنه ما كان يشرب أحد ، كائنا من كان ، في داره في الفصول الثلاثة إلّا الماء المثلوج ، ولا كان أحد يخرج من عنده بعد المغرب إلا وبين يديه شمعة كبيرة نقية ، صغيرا كان أو كبيرا . وكان في داره حجرة معروفة بحجرة الكاغد ، كلّ من دخل واحتاج إلى شيء من الكاغد أخذ حاجته منها » « 4 » .
ولفظة « الكاغد » الواردة في هذا النص ، جاءت بصورة « القراطيس » في نص آخر لهذا المعنى . قال هلال الصابئ : « وفي جانب الدار ( دار ابن الفرات ) ، أدراج كثيرة لأصحاب الحوائج والمتظلمين ، حتى لا يلتزم أحد منهم مؤونة لما يبتاعه من ذلك ، وأنصاف قراطيس وأثلاث » « 5 » .
أما ما كان ينفق على الورق في الشهر ، في أيام المعتضد « 6 » فقد جاء في العمل
هامش
( 1 ) معجم البلدان ( مادة : جهارسوج ) . وهذه المادة ذكرها في نصّ سابق نقلناه أعلاه بصورة : شهارسوك .
( 2 ) توفي القلقشندي ، في سنة 821 ه ( 1418 م ) وقد ذكرنا ذلك سابقا .
( 3 ) صبح الأعشى ( 2 : 476 ) .
( 4 ) الفخري ( ص 312 طبعة اهلورد ، غوطة 1860 ) . وقد لمّح مسكويه ( تجارب الأمم 1 : 120 طبعة امدروز ) إلى غلاء هذه المواد الثلاث ببغداد أيام وزارة هذا الوزير .
( 5 ) تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء ( ص 195 ) .
( 6 ) كانت خلافته من سنة 279 إلى 289 ه ( 892 - 902 م ) .