وكان الطومار في ذلك الوقت بدرهم ، فانصرفت من حضرته على هذا . فلما كان في الغد ، دعاني ، فدخلت عليه ، فقال لي : فكرت في كتبنا ، وإنها قد جرت في القراطيس ، وليس يؤمن حادث بمصر ، فتنقطع القراطيس عنا بسببه ، فنحتاج إلى أن نكتب فيما لم نعوده عمالنا . فدع القراطيس استظهارا على حالها . ولهذه العلة كانت الفرس تكتب في الجلود والرقّ ، وتقول : لا نكتب في شيء ليس من بلادنا » « 1 » .
وقد كان في الجانب الغربي من بغداد ، أعني في الكرخ ، درب يعرف بدرب القراطيس ، أو درب أصحاب القراطيس ، ذكره غير واحد من الكتبة الأقدمين ، كالجاحظ « 2 » والطبري « 3 » والخطيب البغدادي « 4 » وعمرو بن متى « 5 » وماري بن سليمان « 6 » وغيرهم . ولم يشيروا إلى هل كانت القراطيس تصنع في هذا الدرب ، أم كانت تباع فيه ؟
وذكر أبو سعد السمعاني ( المتوفى سنة 562 ه - 1166 م ) في مادة « القراطيسي » ، أن « هذه النسبة إلى عمل القراطيس وبيعها » « 7 » . ثم ذكر غير واحد ممن عرف بهذه النسبة ، وأغلبهم من بغداد أو ممن قدم إليها . فلعل نسبتهم جاءت من سكناهم درب القراطيس ، أو من صنعهم أو بيعهم القراطيس ذاتها .
وأورد الخطيب البغدادي ( المتوفى سنة 463 ه - 1070 م ) ، تراجم سبعة رجال عرف كل منهم ب « القراطيسي » . وأمرهم أمر من ذكرهم السمعاني في استبهام نسبتهم ، إذ أنّ الخطيب لم يفصح عن ذلك في تراجمهم المقتضبة « 8 » .
وقد انتقلت صناعة القراطيس إلى مدينة سامراء في أيام المعتصم . فذكر اليعقوبي ( المتوفي في أواخر المائة الثالثة للهجرة ) ، أن المعتصم ، حين ابتنى مدينة سامراء ، أقدم
هامش
( 1 ) الوزراء والكتّاب للجهشياري ( ص 138 طبعة البابي الحلبي ، القاهرة 1938 ) .
( 2 ) المحاسن والأضداد المنسوب للجاحظ ( ص 336 و 337 طبعة فان فلوتن ، ليدن 1898 ) .
( 3 ) تاريخ الطبري ( 3 : 999 طبعة دي غوية ) .
( 4 ) تاريخ بغداد لأبي بكر الخطيب البغدادي ( 9 : 86 ) .
( 5 ) أخبار فطاركة كرسي المشرق من كتاب المجدل لعمرو بن متى ( ص 119 طبعة جسمندي . رومية 1896 ) .
( 6 ) أخبار فطاركة كرسي المشرق من كتاب المجدل لماري بن سليمان ( ص 85 طبعة جسمندي .
رومية 1899 ) .
( 7 ) الأنساب للسمعاني ( وجه الورقة 445 طبعة مرجليوث ، ليدن 1912 ) .
( 8 ) تاريخ بغداد للخطيب ( 2 : 91 ، 4 : 430 ، 11 : 233 ، 12 : 3 و 151 ، 13 : 45 ) .