ولمّا عظم خطر الإسبان على بلنسية قبل سقوطها « 1 » جاء من أهلها وفد إلى السّلطان أبي زكريّا الحفصيّ صاحب تونس ، في رجب من سنة 636 . وكان في الوفد ابن الأبّار القضاعيّ « 2 » فأنشد قصيدته السينيّة « أدرك بخيلك خيل اللّه أندلسا » بين يدي السّلطان الحفصيّ .
وفي هذا الوقت نفسه ، قبيل سقوط بلنسية ، وجّه بعض الشّعراء إلى السلطان الحفصيّ أبي زكريّا نفسه قصيدة مطلعها « نادتك أندلس فلبّ نداءها » « 3 » جاء فيها ( نفح الطيب 4 : 479 - 483 ) :
تلك الجزيرة لا بقاء لها ، إذا * لم يضمن الفتح القريب بقاءها « 4 » .
أشفى على طرف الحياة ذماؤها ، * فاستبق للدين الحنيف ذماءها « 5 » .
حاشاك أن تفنى حشاشتها ، وقد * قصرت عليك نداءها ورجاءها .
إيه ، بلنسية ، وفي ذكراك ما * يمري الشّئون دماءها لا ماءها « 6 » .
كيف السبيل إلى احتلال معاهد * شبّ الأعاجم دونها هيجاءها « 7 » .
بأبي مدارس كالطّلول دوارس * نسخت نواقيس الصليب نداءها « 8 » .
وأشهر القصائد في هذا الباب قصيدة أبي البقاء صالح بن يزيد الرّنديّ ( ت 684 ه ) : « لكلّ شيء إذا ما تمّ نقصان » ( راجع ترجمة الرندي هذا في هذا الجزء ) . ومع أنّ هذه القصيدة قد عرفت باسم « رثاء الأندلس » ، فإنّها قد نظمت
هامش
( 1 ) استولى الإسبان عليها 636 ه ( 1238 م ) .
( 2 ) ابن الأبار القضاعي ( ت 658 ه ؛ راجع ترجمته في هذا الجزء ) .
( 3 ) لبّى : أجاب .
( 4 ) إذا لم تنقذها أنت قريبا ، فإن الإسبان سيستولون عليها .
( 5 ) أشفى : قرب ، اقترب . الذماء : بقيّة الحياة . الدين الحنيف : الإسلام .
( 6 ) مري يمري ( مسح ) : يمري الحالب ضرع ( بالكسر ) النعجة ليسيل اللبن منه . الشأن ( بالفتح ، وجمع شؤون ) : مجرى الدمع من العين . يمري الشؤون : يجعلنا نبكي حزنا .
( 7 ) احتلال : سكنى . المعهد ( المنزل الذي ألفه الإنسان ) . شبّ : أو قد . الأعاجم ( هنا ) : نصارى الإسبا الذين لا يتكلّمون العربية . دونها ( دون رجوعنا أو وصولنا إليها ) . الهيجاء : الحرب .
( 8 ) مدارس ( هنا ) مآذن ، مساجد ( لأنّ المسجد في الإسلام مكان الدراسة والعلم ) . الطلل : بقايا البناء به تهدّمه ( الأصح : المكان الذي زال منه البناء ) . دوارس ( جمع دارس : ممحوّ ) .