ولا تهنوا ، وسلّوا كلّ عضب * تهاب مضاربا منه النّحور « 1 » .
لقد صمّ السميع ، فلم يعوّل * على نبأ ، كما عمي البصير « 2 » .
تجاذبنا الأعادي باصطناع * فينجذب المخوّل والفقير « 3 » :
فباق في الدّيانة تحت خزي * تثبّطه الشّويهة والبعير « 4 » ،
وآخر مارق هانت عليه * مصائب دينه ، فله السّعير « 5 » .
كفى حزنا بأنّ الناس قالوا : * إلى أين التحوّل والمسير ؟
أنترك دورنا ونفر عنها * وليس لنا وراء البحر دور ؟
لقد ذهب اليقين فلا يقين ، * وغرّ القوم باللّه الغرور « 6 » .
فلا دين ولا دنيا ، ولكن * غرور بالمعيشة ما غرور « 7 » .
وكثر رثاء المدن والدّول في الأندلس . ومن أشهر ما قيل في ذلك قصيدة ابن عبدون ( ت 529 ه ، راجع ترجمته في الجزء الخامس ) : « الدّهر يفجع بعد العين بالأثر » .
وجرت بين ملوك المغرب وملوك الأندلس مكاتبات ، فكانت رسائلهم في ذلك - في البكاء على أحوال المسلمين في الأندلس وفي استنهاض بعض أولئك الملوك همم بعضهم الآخر - مثل تلك القصائد .
هامش
( 1 ) لا تهنوا : لا تضعفوا . العضب : السيف . تهاب ( تخاف ) . النحر ( أعلى الصدر : المكان الذي ينحر أو يذبح منه البعير ) .
( 2 ) كانت الأخبار تأتي بالخطر على طليطلة فلم يلق الأمراء بالا إلى ذلك .
( 3 ) الاصطناع : تقريب الناس إليك بشيء من المغانم المادّيّة . المخوّل : الذي خوّله اللّه ( أعطاه ) ملكا أو خيرا كثيرا .
( 4 ) تثبّطه ( تعوقه عن الحرب أو الهجرة ) الشويهة ( الشاة الصغيرة ) أو البعير ( الحيوان الكبير ) : يخاف أن يحارب أو يهاجر فيخسر شيئا ( صغيرا أو كبيرا ) يملكه .
( 5 ) السعير : نار جهنّم ( في الآخرة ) . مارق : خارج من الإسلام ( كافر ) .
( 6 ) اليقين : الإيمان الثابت . الغرور ( بالفتح ) : إبليس . راجع القرآن الكريم ( 31 : 33 ، سورة لقمان ) :. . . . فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ.
( 7 ) ليس لهؤلاء دين ، ولا هم يفهمون ما الدنيا ( الحياة الكريمة ) ، ولكنّهم مغرورون ( مفتونون ، متعلّقون ) بالمعيشة العاديّة . غرور ما غرور ( اهتمام بشيء قليل جدّا من أسباب الحياة ) .