إنّ أسباب الخوف على مستقبل المسلمين في الأندلس كانت كثيرة منذ أيام ملوك الطوائف حينما بدأ تنازع ملوك الطوائف ثمّ استيلاء الإسبان النصارى على البلدان وعلى الحصون من أيدي الحكّام المسلمين . ففي سنة 488 للهجرة - لمّا استولى السيّد القمبياطور على بلنسية قال ابن خفاجة ( 450 - 533 ه ) يأسى لحالها ( نفح الطيب 4 : 455 ) :
عاثت بساحتك الظّبا ، يا دار ، * ومحا محاسنك البلى والنّار « 1 » ؛
فإذا تردّد في جنابك ناظر * طال اعتبار فيك واستعبار « 2 » .
أرض تقاذفت الخطوب بأهلها ، * وتمخّضت بخرابها الأقدار « 3 » .
كتبت يد الحدثان في عرصاتها : * ( لا أنت أنت ولا الدّيار ديار ) « 4 » .
وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ لمّا جرت معركة 527 للهجرة ( 1133 م ) - عند إشبيلية ( ؟ ) - حينما جاء إلى تفسير قوله تعالى :
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
، الآية ( 9 :
41 ، سورة التوبة ) ما يلي ( نفح الطيب 4 : 476 - 477 ) :
ولقد نزل بنا العدوّ - قصمه اللّه تعالى - سنة سبع وعشرين وخمسمائة فجاس ديارنا « 5 » وأسر جيرتنا وتوسّط بلادنا . . . . فقلت للوالي والمولّى عليه « 6 » : هذا عدوّ اللّه قد حصل في الشّرك والشّبكة « 7 » ، فلتكن عندكم بركة ، ولتكن منكم إلى نصرة
هامش
( 1 ) عاث : أفسد ، أتلف ، أهلك . الظبا ( بالضم ) جمع ظبة ( بضمّ ففتح بلا تشديد ) : حدّ السيف . وفي نفح الطيب : ظبا ( بالكسر ) يقصد ظباء جمع ظبية ( غزال ) ، وهو خطأ . البلى : القدم ( بكسر ففتح ) :
تقادم الزمن والتهرّؤ والهلاك .
( 2 ) فإذا تردّد ( نقل البصر من مكان إلى مكان ) في جنابك ( أطرافك ، أقسامك ) ناظر ( عين ) . الاعتبار :
الاتّعاظ بالمصائب . استعبار : بكاء ( حزن ) .
( 3 ) الخطب ( بالفتح ) : المصيبة . تقاذفت الخطوب بأهلها ( شرّدت المصائب أهلها من مكان إلى مكان ) .
تمخّضت ( تحرّكت ثمّ انجلت ) الأقدار ( جمع قدر - بفتح ففتح : وقوع ما كان اللّه تعالى قد قضاه أو حكم به في سابق علمه ) عن خرابها .
( 4 ) الحدثان ( مفرد ) : كناية عن الليل والنهار . والحدثان أيضا : المصائب . « لا أنت أنت ولا الديار ديار » مطلع قصيدة لأبي تمّام يمدح بها القائد العبّاسيّ أبا سعيد محمّد بن يوسف الثغري .
( 5 ) جاس بلادنا : وطئها ، جاء إليها .
( 6 ) للوالي على البلد ( إشبيلية ؟ ) وللمولّى عليه : لأهل البلد ( للناس كلهم ) .
( 7 ) في الشرك والشبكة ( أصبح بين أيديكم بعيدا عن مراكز تموينه ومحاطا برعيّتكم ) .