حبّذا العيش حين قومي جميعا * لم تفرّق أمورها الأهواء ؛
قبل أن تطمع القبائل في مل * ك قريش وتشمت الأعداء .
أيّها المشتهي فناء قريش ؛ * بيد اللّه عمرها والفناء .
إن تودّع من البلاد قريش * لا يكن بعدهم لحيّ بقاء .
كان عبيد اللّه بن قيس الرّقيّات يخشى على مستقبل الدولة الأمويّة . أمّا البحتريّ ، في العصر العبّاسيّ ، فقد جاء إلى العراق بعد وفاة أبي تمّام ( 232 ه - 846 م ) ليجرّب حظّه في التكسّب بالشعر . لم يلق البحتريّ الناشئ بعد ذلك الشاعر الراسخ المكانة توفيقا ، فذهب في يوم من الأيام إلى المدائن - وهي مشهد لمدينة قديمة ، على نحو عشرين ميلا شرق بغداد - ووقف عند إيوان كسرى يعزّي نفسه ( الخائبة في التكسّب بالشعر ) بزوال تلك الدولة العظيمة التي كانت قد بنت ذلك الإيوان ( المقرّ الملكيّ ) ثمّ زالت ، فقال ( راجع الجزء الثاني من هذه السلسلة ) قصيدته السّينية : « صنت نفسي عمّا يدنّس نفسي » . فمن هذه القصيدة :
حضرت رحلي الهموم فوجّه * ت إلى أبيض المدائن عنسي « 1 » ،
أتسلّى عن الهموم وآسى * لمحلّ من آل ساسان درس « 2 » .
ذكّرتنيهم الخطوب التّوالي ، * ولقد تذكر الخطوب وتنسي « 3 » .
فكأنّ الجرماز من عدم الأن * س وإخلاله بنيّة رمس « 4 » .
لو تراه علمت أنّ اللّيالي * جعلت فيه مأتما بعد عرس .
هامش
( 1 ) الرحل : البيت ، المسكن ؛ نزلت عليّ الهموم في بلدي فسافرت وجئت إلى العراق . العنس : الناقة القويّة .
أبيض المدائن : المدائن ( بلدة على نحو عشرين ميلا شرق بغداد ) .
( 2 ) أسي ( بفتح فكسر ففتح ) فلان على فلان : حزن عليه وأشفق . آل ساسان : ملوك الفرس . درس :
دارس ، ممحوّ المعالم .
( 3 ) الخطب ( بالفتح ) : المصيبة .
( 4 ) الجرماز : بناء عظيم كان عند أبيض المدائن ، وقد عفى ( امّحى ) أثره ( تاج العروس - الكويت 15 :
59 ) . من عدم ( فقدان ) الإنس ( بالكسر ) : الناس ، السكّان ، وإخلاله ( ترك الناس له ) . البنيّة ( بالفتح ) : كلّ ما يبنى . رمس : قبر .