وكانت الدواعي لرثاء المدن في الأندلس كثيرة ، بعد أن بدأ الإسبان النّصارى يستولون على المدن الإسلامية في تلك الحرب الصليبية التي سبقت الحرب الصليبية في المشرق .
في نفح الطيب ( 4 : 352 ، راجع 354 ، 355 ؛ راجع وفيات الأعيان 5 : 27 ) :
أنّ من أوّل المدن العظيمة التي استولى عليها الإسبان مدينة طليطلة ، أخذها ألفونسو السادس ، سنة 478 للهجرة ، من يد القادر يحيى بن إسماعيل بن ذي النون .
فقال بعض الشعراء يرثيها ( نفح الطيب 4 : 483 - 486 ) بقصيدة ليست من عيون الشعر ، ولكنّ فيها عاطفة قويّة من التعبير وكشفا عن أسباب ضعف الأمم . من هذه القصيدة الطويلة :
طليطلة أباح الكفر منها * حماها . إنّ ذا نبأ كبير .
فليس مثالها إيوان كسرى ، * ولا منها الخورنق والسّدير « 1 » .
ألم تك معقلا للدين صعبا * فذلّله كما شاء القدير « 2 » ؟
وكانت دار إيمان وعلم * معالمها التي طمست تنير « 3 » ،
فعادت دار كفر مصطفاة * قد اضطربت بأهليها الأمور « 4 » :
مساجدها كنائس ، أيّ قلب * على هذا يقرّ ولا يطير ؟
أنأمن أن يحلّ بنا انتقام * وفينا الفسق أجمع والفجور « * » ؟
وأكل للحرام ، ولا اضطرار * إليه ؟ فيسهل الأمر العسير .
يزول السّتر عن قوم إذا ما * على العصيان أرخيت السّتور .
خذوا ثأر الدّيانة وانصروها ، * فقد حامت على القتلى النّسور .
هامش
( 1 ) إيوان كسرى لا يشبهها . ولا منها ( وليس من نوعها أو مكانتها ) الخورنق والسدير ( قصران في جنوبيّ العراق من أيام المناذرة ) .
( 2 ) القدير : اللّه تعالى .
( 3 ) معالمها ( مدارسها ومساجدها الخ التي طمست أو محيت الآن كانت من قبل تنير ) .
( 4 ) مصطفاة ( مختارة ) : اختار الإسبان أخذها ( الآن ) دون غيرها . مصطفاة ( أيضا ) : مأخوذة . - اصطفى فلان مال فلان : أخذه كلّه ( القاموس 4 : 352 ، السطر التاسع من أسفل ) .
( * ) أجمع ( بالضمّ ) توكيد للفسق ( فينا جميع أنواع الفسق ) . ثمّ « أجمع ( بالفتح ) حال من « فينا » ( فينا جميعا فسق ) .