في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبّهين بهم دائما ، وما ذلك إلّا لاعتقادهم الكمال فيهم .
وانظر إلى كلّ قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زيّ الحامية « 1 » وجند السّلطان في الأكثر لأنّهم الغالبون لهم ، حتّى إنّه إذا كانت أمّة تجاور أخرى - ولها الغلب عليها - فيسري إليهم من هذا التّشبّه والاقتداء حظّ كبير ، كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة « 2 » فإنّك تجدهم يتشبّهون بهم في ملابسهم وشاراتهم و ( في ) الكثير من عوائدهم وأحوالهم حتّى في رسم التماثيل « 3 » في الجدران والمصانع « 4 » والبيوت ، حتّى لقد يستشعر « 5 » من ذلك الناظر بعين الحكمة أنّه من علامات الاستيلاء « 6 » . والأمر للّه . ( ثمّ ) تأمّل في ذلك سرّ قولهم : « العامّة على دين الملك » « 7 » ، فإنّه من بابه « 8 » ، إذ الملك غالب لمن تحت يده ، والرعيّة مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم والمتعلّمين بمعلّميهم . واللّه العليم الحكيم ، وبه سبحانه وتعالى التوفيق .
( ه ) العلوم العدديّة :
وأوّلها الأرثماتيقيّ « 9 » ، وهو معرفة خواصّ الأعداد من حيث التأليف « 10 » : إمّا على
هامش
( 1 ) الحامية : الجنود المكلّفون بحفظ الحدود ( ويكونون عادة من جنود القويّ الذي يحتلّ بلدا ضعيفا ) .
( 2 ) الجلالقة : سكّان الجانب الشّمالي الغربي من شبه جزيرة الأندلس ( هنا : نصارى الأندلس ) .
( 3 ) التماثيل هنا ( صور الرجال النصارى ورموزهم ) .
( 4 ) المصنع ( هنا ) حوض الماء أو البناء العظيم ( القصر ) . . . . .
( 5 ) استشعر الشيء : أحس به .
( 6 ) . . . استيلاء الإسبان على الأندلس . ( قال ابن خلدون ذلك قبل خروج العرب من الأندلس بنحو مائة عام ) .
( 7 ) في المثل المشهور : الناس على دين ملوكهم .
( 8 ) من بابه : من نوعه .
( 9 ) الأرثماطيقي : الحسبان ، الحساب .
( 10 ) نسق الأعداد على نظام معيّن .