( ح ) اللفظ والمعنى :
( ويجب على الشاعر أن ) يجتنب المعقّد من التراكيب جهده ، وإنّما يقصد منها ما كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الفهم . وكذلك كثرة المعاني في البيت الواحد ، فإنّ فيه نوع تعقيد على الفهم ، وإنّما المختار منه ما كانت ألفاظه طبقا على معانيه أو أوفى « 1 » منها قليلا . فإن كانت المعاني كثيرة كانت حشوا ، واشتغل الذّهن بالغوص عليها فمنع الذوق من استيفاء مدركه من البلاغة . ولا يكون الشعر سهلا إلّا إذا كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الذهن . ولهذا كان شيوخنا ، رحمهم اللّه ، يعيبون شعر أبي بكر ابن خفاجة شاعر شرق الأندلس لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد كما كانوا يعيبون شعر المتنبيّ والمعرّيّ بعدم « * » النسج على الأساليب العربية ، كما مرّ ، فكان شعرهما كلاما منظوما نازلا عن طبقة الشعر ؛ والحاكم بذلك هو الذوق .
( ط ) نشأة الموشّح :
( راجع الجزء الرابع ، ص 422 و 435 ) .
- مدح أبي عنان فارس :
كان أبو عنان فارس المتوكّل على اللّه أحد سلاطين بني مرين في فاس ( 749 - 759 ه ) قد غضب على ابن خلدون وحبسه . ولمّا طال الزمن على ابن خلدون في السّجن ، نظم قصيدة في مدح أبي عنان المتوكّل على اللّه - وكان قد مضى عليه في السّجن ثمانية عشر شهرا - وأرسلها إليه في الثّلث الأوّل من شهر شعبان من سنة 759 ه ( في أواسط تمّوز - يوليو من عام 1358 م ) . من هذه القصيدة :
على أيّ حال للّيالي أعاتب ؟ * وأيّ صروف للزّمان أغالب « 2 » ؟
كفى حزنا أنّي على القرب نازح * وأنّي على دعوى شهودي غائب « 3 » ؛
هامش
( 1 ) أوفى : أكثر .
( * ) عدم النسج : ترك النسج ( كلمة « عدم » هنا مستعملة على غير الوجه الصحيح ) .
( 2 ) صروف الدهر : أحداثه ( مصائبه ) .
( 3 ) نازح : بعيد . وأني على دعوى شهوديّ غائب ( مع أنّي موجود في بلدك ، فأنا غائب عن رعايتك ) .