حبّه - زعموا في حالة السّكر - فحملت ووشي بذلك للرشيد فاستغضب « 1 » .
وهيهات ذلك « 2 » من منصب العباسة في دينها وأبويها وجلالها ، وأنّها بنت عبد اللّه ابن عبّاس ليس بينها وبينه إلّا أربعة رجال هم أشراف الدين وعظماء الملّة « 3 » من بعده . والعباسة بنت محمّد المهديّ ابن عبد اللّه بن أبي جعفر المنصور بن محمد السجاد بن عليّ أبي الخلفاء « 4 » بن عبد اللّه ترجمان القرآن « 5 » ابن العباس عمّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : ابنة خليفة أخت خليفة « 6 » محفوفة « 7 » بالملك العزيز والخلافة النبويّة وصحبة الرسول وعمومته وإقامة الملّة « 8 » ونور الوحي ومهبط الملائكة من سائر جهاتها قريبة عهد ببداوة العروبية وسذاجة الدين « 9 » البعيدة عن عوائد التّرف ومراتع الفحش .
فأين يطلب الصّون والعفاف إذا ذهبا عنها ؟ أو أين توجد الطهارة والذكاء « 10 » إذا فقدا من بيتها ؟ أو كيف تلحم نسبها بجعفر بن يحيى وتدنّس شرفها العربيّ بمولى من موالي العجم . . . . . وكيف يسوغ من الرشيد أن يصهر إلى موالي الأعاجم على بعد همّته وعظم آبائه . ولو نظر المتأمّل في ذلك نظر المنصف وقاس العبّاسة بابنة ملك من عظماء ملوك زمانه لاستنكف « 11 » لها عن مثله مع مولى من موالي دولتها وفي سلطان قومها واستنكره ولجّ « 12 » في تكذيبه . وأين قدر العباسة والرشيد من الناس « 13 » !
هامش
( 1 ) استغضب ، المقصود : « أغضب » بالبناء للمجهول : فعل به ما يدعو إلى الغضب .
( 2 ) هيهات ذلك : ما أبعد ذلك !
( 3 ) الملّة ( هنا ) : الدين ، الإسلام .
( 4 ) محمّد المهديّ ( ابن أبي جعفر المنصور ) : الخليفة العبّاسي الثالث . أبو الخلفاء : الذي كان ( جميع ) الخلفاء ( العبّاسيّين ) من نسله .
( 5 ) عبد اللّه بن عبّاس ابن عمّ الرسول ، كان موثوقا في تفسير القرآن .
( 6 ) ابنة خليفة ( ابنة محمّد المهدي ) أخت خليفة ( أخت هارون الرشيد ) .
( 7 ) محفوفة : محاطة ( من قرب ) .
( 8 ) إقامة الملّة : المحافظة على عقائد الدين وتعاليمه .
( 9 ) سذاجة الدين : بساطة الدين وصفاؤه .
( 10 ) الذكاء ( كذا في الأصل ) . اقرأ : الزكاء ( بالزاي أخت الراء ) : الطهارة .
( 11 ) استنكف : كره ، امتنع ، رفض .
( 12 ) لجّ : استمرّ ( أصرّ ) .
( 13 ) هارون الرشيد وأخته العبّاسة فوق مستوى الناس العاديّين .