المقدّمة ) ، في خمسة أشهر . فلعلّ ابن خلدون كان قد جمع موادّ كتابه كلّها ثمّ جلس في تلك المدّة يؤلّف ( يجمع بعض موادّه إلى بعض ) فبدأ ، بطبيعة الحال ، بالجزء الأوّل ثمّ انتقل إلى تهذيب الأجزاء الباقية . ومع ذلك فالموضوع يحتاج إلى دراسة داخليّة ( مقارنة نصوص المقدّمة أو الجزء الأوّل بنصوص الأجزاء الباقية ) .
* * * وابن خلدون محيط بكثير من علوم الأقدمين قبل الإسلام ومن العلوم الحادثة بعد ظهور الإسلام ، في الفلسفة النّظريّة وفي العلم العمليّ معا . ومع أنّ ابن خلدون أشعريّ في حياته العمليّة ( يفضّل الرّواية الدينية على الأخذ بالعقل ) ، فإنّه عند البحث في كلّ شيء من وجوه الثّقافة الإنسانية ( في الفلسفة وفي الدين أيضا ) معتزليّ المنهج ( يأخذ بقواعد المنطق وبما يدلّ عليه العقل ثمّ بما هو مشاهد في الاجتماع الإنسانيّ ) .
وهو أيضا عالم حسن الرّواية للعلم منصف لخصومه واضح في بحثه يعرض رأي الخصم كما يقول الخصم - وإن كان ذلك الرأي مخالفا لرأي ابن خلدون نفسه أو لاعتقاده أيضا ، كما نرى عند كلامه على اليهود والنصارى ، في الفصل الثالث والثلاثين من الفصل الثالث ( في طبعة دار الكتاب اللبنانيّ : من « الباب » الثالث ) من الكتاب الأوّل « 1 » مثلا .
وإذا عرض ابن خلدون للعلوم الطبيعيّة أو الرياضيّة - وهي ليست علوما داخلة في اختصاصه - فإنّه يحسن عرضها وتفهيمها إلى حدّ كبير ، كما نرى عنده في الكلام على الحساب والهندسة أو على الفلك والجغرافية أو على الكيمياء والطّبّ « 2 » .
وابن خلدون مؤلّف له « 3 » ( غير كتاب العبر ) : لباب المحصّل « 4 » في أصول
هامش
( 1 ) راجع المقدّمة ( بيروت 1900 م ) ، ص 230 - 235 ؛ بيروت ، دار الكتاب اللبناني ، 1961 م ، ص 408 - 416 .
( 2 ) مثلهما ، ص 482 وما بعدها ثمّ ص 894 - 919 .
( 3 ) مؤلّفات ابن خلدون ، ص 9 وما بعد .
( 4 ) « محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين » أو « المحصّل من نهاية العقول في علم الأصول » : كتاب في الفلسفة العقلية أو فلسفة ما بعد الطبيعة ( بروكلمن 1 : 668 ) للفخر الرازيّ ، وهو أبو عبد اللّه محمد بن عمر ، ولد -