تجده في ديباجة المقدّمة وفي عدد من المواضع من فصول المقدّمة ثمّ أسلوب سهل مرسل نجده في فصول المقدّمة عامّة ( ذلك لأنّ فصول الكتاب الأخرى من الأجزاء السّتّة الباقية أكثرها نقول عن آخرين ) .
وهنا موضع كلام على زمن تأليف كتاب « العبر » . يقول ابن خلدون ( في آخر الجزء الأوّل : المقدّمة ) :
« أتممت هذا الجزء الأوّل بالوضع والتأليف ، قبل التنقيح والتهذيب ، في مدّة خمسة أشهر آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة « 1 » . ثمّ نقّحته بعد ذلك وهذّبته وألحقت به تواريخ الأمم » .
تناول عبد الرحمن بدويّ هذا الموضوع ( مؤلّفات ابن خلدون ، ص 34 - 40 ) ومال إلى أن يكون ابن خلدون قد وضع كتابه كلّه ( سبعة أجزاء ) في نسخته الأولى على الأقلّ ، في مدى خمس سنوات ( راجع ص 36 ) . والذي أميل إليه أنا أنّ ابن خلدون قد « دوّن » في هذه المدّة ما كان قد جمعه من قبل من موادّ كتابه . وعندي أيضا أنّ « المقدّمة » ( أو الجزء الأوّل ) قد كتبت بعد جمع تلك الموادّ . بهذا وحده نستطيع فهم قول ابن خلدون ( التعريف برحلة ابن خلدون ، ص 229 ) : « وشرعت في تأليف هذا الكتاب وأنا مقيم ( بقلعة ابن سلامة ) وأكملت المقدّمة على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه ( تعليل التاريخ : فلسفة التاريخ ) في تلك الخلوة . فسالت شآبيب « 2 » الكلام والمعاني على الفكر حتّى امتخضت زبدتها « 3 » وتألّفت نتائجها » .
إنّ هذا يدلّ على أنّ ذلك الموضوع كلّه كان في ذهن ابن خلدون مدّة طويلة - يعمل في عقله الباطن - كما يقول علماء النفس - والّا فليس من المألوف أن يكتب إنسان مثل هذا الموضوع الجديد المتشعّب المزدحم بالأقوال وبالأحداث على سبيل الاستشهاد والتمثيل ، وفي نحو مائة وسبعين ألف كلمة ( في النسخة الأولى من
هامش
( 1 ) عام 1377 للميلاد .
( 2 ) الشؤبوب ( بالضمّ ) : الدفعة ( بالضمّ ) من المطر .
( 3 ) امتخض اللبن ( الحليب ) تحرّك في وعائه . والمقصود هنا « مخضت » ( بالبناء للمجهول ) زبدتها : انفصل السمن من المخيض ( ماء اللبن ) ، ظهرت وتكوّنت خلاصته .