وقد ينتهي الجهل بأقوام إلى ألّا يروا لأحد فضلا على من قلّدوه من أئمّتهم ويستحقرون بذل مهجهم في محاماتهم ونصرتهم . . . . . .
واعلم أن كلّ مسألة مطلوب فيها إصابة ما في نفس الأمر « 1 » وله ( للإنسان ) مندوحة عن التقليد فيها بأن ينظر إلى وجه الدليل المنصوب عليها : إمّا على جهة الوجوب كمسائل الاعتقادات ، أو على غير جهة الوجوب كغيرها من المسائل . فالتقليد في ذلك مذموم سواء اتفقت « 2 » إصابته أو لم تتّفق . ( لكن ) لا يدخل في ذلك تقليد العامّة للمجتهدين في المسائل الفقهيّة الفرعية ، لأنّ المطلوب فيها إصابة ما غلب على ظنّ المجتهد ، ولا سبيل للعاميّ إلى هذا إلّا بالتقليد . ولا يدخل فيه أيضا تقليد من يحتاج إلى فنّ من فنون العلم لأربابه « 3 » ، وإن كان المطلوب فيه إصابة ما في نفس الأمر « 1 » إذ لا مندوحة له عن التقليد فيه ، كعلم التفسير والحديث والتاريخ والنحو واللغة والطبّ .
فالتقليد في نفسه مذموم لا ينبغي الاعتماد عليه إلّا عند الضرورة . . . . . . .
وأمّا البدعة فقد ورد في ذمّها آيات كثيرة وأخبار « * » . . . . . . . .
إنّ اللّه تعالى بعث محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم رسولا إلى جميع الأنام وهاديا لهم إلى دار السلام « 4 » ، وكانوا إذ ذاك في جاهلية جهلاء وضلالة ظلماء « 5 » ، مشتّتة آراؤهم مفترقة أهواؤهم لم تأمر أحلامهم الفاخرة « 6 » إلّا بإهمال النظر في مسالك العبر « 7 » ، ولم تهدهم ألبابهم إلّا إلى عبادة حجر وشمس وقمر . فمنّ اللّه عليهم بأن بعث فيهم رسولا من أنفسهم - و ( من ) أزكاهم وأنفسهم « 8 » - حلّاه بأكمل الصفات وأحسن الأخلاق ووفّاه من مواهبه ومنحه نفائس الأعلاق « 9 » . . . . . . . ( ثمّ يذكر أحاديث وأخبارا من نشأة
هامش
( 1 ) إصابة نفس الأمر ( المقصود : ما في الأمر نفسه ) .
( 2 ) اتفقت - اتفقت ؟
( 3 ) من فنون العلم لأربابه ( علم موجود عند أناس غير موجود عند آخرين ) .
( * ) الأخبار ( جمع خبر ) : الأحاديث المرويّة عن رسول اللّه .
( 4 ) دار السلام : الجنّة .
( 5 ) ضلالة ظلماء ( عمياء ) : ضلال ( ضياع ، تيه ) لا يهتدي فيه الضائع إلى سبيله .
( 6 ) الحلم ( بالضمّ ) : العقل . الفاخرة ( ؟ ) .
( 7 ) العبرة ( بالكسر ) : الدرس ، نتيجة الاختبار .
( 8 ) أنفس الأشياء : أثمنها ، أحسنها .
( 9 ) وفّاه : كمّل له ، أتمّ عليه . العلق ( بالكسر ) : الشيء النفيس الذي يضنّ ( يبخل ) الإنسان به .