والبدعة وما اشتملا عليه من القبائح والمفاسد :
أسلّم عليكم وأعرّفكم بوصول كتابكم إلينا تعلمون فيه بوصول جوابنا إليكم ، وأنّه وقع منكم موقعا اقتضاه حسن ظنّكم وسلامة اعتقادكم . وطلبتم منا بيان التقليد والبدعة اللذين أشرت إليهما في الجواب المذكور وأن أكتب إليكم نبذا في ذلك .
فاعلم أن هذين المعنيين قد ورد الشرع بذمّهما وعيب المتّصف بهما .
أمّا التقليد فهو نوع من أنواع البدع التي يأتي ذكرها ، وهي عبارة عن اتّباع الغير بلا دليل ولا حجّة ، كمن يقلّد شخصا لعظم محلّه عنده أو ( كمن يقلّد ) أمّة من الناس لكثرتهم وقدم زمانهم . وقد عاب الحقّ تعالى ذلك على طوائف من الكفرة في آي كثيرة من القرآن . . . . . . .
واعلم أن هذه الصّفة الذميمة قد استطار « 1 » في هذا الزمان شررها وعمّ ضررها ، فترى المتفقّه الغبيّ إذا قرع سمعه شيء من علوم التحقيق « 2 » أو علم « 3 » من أعلام أهل التصديق يلوي خدّه ويقطّب وجهه ويقول لفرط غباوته : لو كان هذا حقّا لنصّ عليه فلان ولتداولته القرون والأزمان . وترى المتصوّف الجاهل إذا ذكر عنده مسألة من مسائل الأحكام ومعالم الحلال والحرام يتنكّر لجليسه ويغترّ بتزويره وتلبيسه « 4 » ويقول لشدّة جهالته : هذه ظواهر ورسوم ومخاطبات للعموم . وقد كان سيّدي « 5 » فلان لا يقرأ ولا يكتب ولا ينتسب إلى مذهب . وترى الفاجر العيّار « 6 » من ذوي الكبائر والإصرار يقتدي بهفوات القدماء وزلّات العلماء ويعتدّ « 7 » ذلك دينا متينا وحقّا مبينا .
هامش
( 1 ) استطار : انتشر .
( 2 ) علوم التحقيق ( علوم التصوّف ) .
( 3 ) أو علم ( كذا ! ) .
( 4 ) التزوير : التحسين والتزيين ( وهنا : إيراد الشيء على خلاف حقيقته ) . التلبيس : ( خلط الشيء بغيره ) .
( 5 ) ظواهر ( أمور ظاهرة غير حقيقية ، غير مقصودة لذاتها ) ورسوم ( أمور وضعها الناس لأنفسهم يمكن أن يضعوا في وقت آخر غيرها ) . ومخاطبات للعموم ( للعامّة ليس على الخاصّة من العلماء اتّباعها ) . سيّدي :
شيخي ( الذي أتبعه وأقتدي به ) .
( 6 ) الفاجر : الفاسق الذي يكثر من إتيان المحارم من غير أن يبالي . العيّار : الكثير التجوال في الأرض ، الذي يتّبع هواه في كلّ شيء ولا يبالي .
( 7 ) اعتدّ الأمر دينا : عدّه وأحضره ( اتّخذه ) .