وقراءة ومناولة وإجازة « 1 » وغير ذلك من ضروب التحمّل « 2 » . وقد جرى عمل الأشياخ على تقديم إسنادهم إلى من تقدّمهم من المؤرّخين لينسبوا إليهم ما ينقلونه عنهم إلى كتبهم هذه ، ثمّ يعقّبون ذكر من يذكرون من الرواة أو بعضهم بتعيين من ذكره . وذلك رأي رشيد وعمل صالح سديد أجلّ مثمراته تبرّؤ الناقل من عهدة ما نقل والإحالة « 3 » به على ذاكره الأوّل تقوية « 4 » للاحتجاج به وتصحيحا للاستناد إليه .
لكنّني وجدتهم لا يقومون بمقتضى ذلك العمل على التّمام ، فإنّهم يأتون بمن يريدون ذكره فيرفعون في نسبه ويذكرون كتبه وشهرته إن كانتا له ، ويعزونه « 5 » إلى قبيلته وبلده أو إليهما ويعرّفون من أمره ما يستحسنون إيراده ، ثم يعقّبون ذلك بقولهم : كان من أمره كيت وكيت . فكلّ ما بدءوا به ذكره إنّما هو من قبلهم غير معزوّ إلى أحد ممن قدّموا ذكره في صدور كتبهم « 6 » . وهذا العمل منهم ليس في القليل ممّا يذكرونه ، ولا في النّدرة ، بل يكاد يكون معظم من يذكرون على هذا الأسلوب « 7 » . فصارت العهدة فيه عليهم فيما لم ينسبوه إلى غيرهم « 8 » . وأيضا فإنّ الذي ينقلونه عن غيرهم إنّما ينقلونه عن الاختيار والانتخاب لا على التّوالي والاستيعاب « 9 » . فعزوت تلك الأقوال ،
هامش
( 1 ) من طرق تلقّي العلم في الإسلام : السماع ( سماع المحاضرات من الأساتذة ) والقراءة ( تلاوة النصوص بين يدي الأستاذ ) والمناولة ( نقل الرواية من الأستاذ إلى التلميذ ؟ ) والإجازة ( الشهادة : كتابة الأستاذ للطالب ورقة فيها أن الطالب أصبح قادرا ومأذونا له بأن يعلّم الناس ما تعلّمه ) .
( 2 ) وغير ذلك من ضروب التحمّل : ما يحمله التلميذ من أستاذه ( ما يأخذه التلميذ عن أستاذه ) .
( 3 ) الإحالة : أن يشير المؤلّف للقارئ إلى المكان الذي استقى المؤلّف منه أخباره . العهدة ( بالضمّ ) : التبعة ( بفتح فكسر ) .
( 4 ) تقوية للاحتجاج : تثبيتا لصحّة النقل عن الآخرين .
( 5 ) عزوت هذا العمل إلى فلان : نسبته إليه .
( 6 ) يقول نفر من المؤلّفين إنّهم سيأخذون عن فلان وفلان أو من الكتاب الفلاني والكتاب الفلاني . ولكنّهم كثيرا ما يذكرون أشياء من عند أنفسهم .
( 7 ) وأكثر ما يذكره أولئك المؤلّفين يقولونه هم ( ويتوهّم القارئ أحيانا أنّه مرويّ عن العلماء السابقين ) .
( 8 ) . . . . فكلّ قول لا يذكرون أنه مأخوذ عن عالم ما ، فإنّ تبعة ما فيه ( من الصواب أو الخطأ ) ملقى على عاتقهم هم .
( 9 ) هم يتخيّرون ( يذكرون ما يريدون ذكره فقط ) . . . لا على التوالي ( لا يذكرون تسلسل الرواية ) ولا على الاستيعاب ( لا يذكرون كلّ شيء ) .