مالت تودّعني والدمع يغلبها * على الكلام فلا تسطيع تبيانا .
أدنى التعانق شخصينا وضمّهما * لفّ النواعم بالأغصان أغصانا « 1 » .
فيا لها ليلة ما كان أقصرها * وقتا ، وأفسحها في الحسن ميدانا .
- وقال حازم القرطجنّي يردّ على أرسطو « 2 » في زعمه أنّ الأقاويل الشعرية لا تكون إلّا كاذبة :
وإنّما غلط في هذا - فظنّ أنّ الأقاويل الشّعرية لا تكون إلّا كاذبة - قوم من المتكلّمين « 3 » لم يكن لهم علم بالشّعر ، لا من جهة مزاولته ولا من جهة الطّرق الموصلة إلى معرفته .
ولا معرّج على ما يقوله في الشيء من لا يعرفه ولا التفات إلى رأيه فيه فإنّما يطلب الشيء من أهله ، وإنّما يقبل رأي المرء في ما يعرفه . وليس هذا جرحة للمتكلّمين ولا قدحا في صناعتهم ، فإنّ تكلّفهم أن يتعلّموا في طريقتهم ما ليس منها شطط . والذي يورّطهم « 4 » في هذا أنّهم يحتاجون إلى الكلام في إعجاز القرآن « 5 » فيحتاجون إلى ماهيّة الفصاحة والبلاغة من غير أن يتقدّم لهم علم بذلك ، فيفزعون « 6 » إلى مطالعة ما تيسّر لهم من كتب هذه الصّناعة . فإذا فرّق أحدهم بين التجنيس والترديد ، وماز الاستعارة من الأوصاف « 7 » ، ظنّ أنّه قد حصل على شيء من هذا العلم فأخذ يتكلّم في الفصاحة بما هو محض الجهل . . . . . . . .
هامش
( 1 ) لفّ النواعم . . . . : كما يلتفّ بعض الأغصان الناعمة ببعضها الآخر ( بسهولة وانطباق تامّ ) .
( 2 ) أرسطو ( 384 - 322 ق . م . ) فيلسوف اليونان غير منازع وأكبر فلاسفة العالم بإطلاق ، كان مثل أستاذه أفلاطون ( 429 - 347 ق . م . ) يرى أنّ الشعر من حيّز الخيال والتقليد بعيدا عن الواقع .
( 3 ) المتكلمون : الذين يدافعون عن العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية ( باستخدام الفلسفة ) .
( 4 ) الشطط : الجور ( الظلم ) في الحكم . يورّطهم : يحملهم على الدخول فيما لا يريدونه .
( 5 ) إعجاز القرآن : مجيء المادّة في القرآن الكريم والتعبير عنها بما يعجز البشر عن الإتيان بمثله .
( 6 ) فزع إلى : لجأ .
( 7 ) التجنيس : الإتيان بكلمتين متّفقتين ( أو متقاربتين ) في اللفظ مختلفتين في المعنى ، كقول أبي تمّام : بيض الصفائح ( السيوف ) لا سود الصحائف ( الصفحات المكتوبة ) . . . . . . أمّا الترديد فهو المجيء بكلمة واحدة مستعملة في الجملة مرّتين في علاقتين مختلفتين ، كقول زهير بن أبي سلمى :ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ، * وإن يرق أسباب السماء بسلّم .-