فنب عن بعيد الدار في ذلك الحمى * وأذر به دمعا وعفّر به خدّا « 1 » ؛
وقل : يا رسول اللّه ، عبد تقاصرت * خطاه ، وأضحى من أحبّته فردا « 2 » .
ولم يستطع ، من بعد ما بعد المدى ، * سوى لوعة تعتاد أو مدحة تهدى « 3 » .
تداركه ، يا غوث العباد ، برحمة ؛ * فجودك ما أجدى وكفّك ما أندى « 4 » !
أجار بك اللّه العباد من الرّدى * وبوّأهم ظلّا من الأمن ممتدّا « 5 » .
حمى دينك الدّنيا وأقطعك الرّضا * وتوّجك العليا وألبسك الحمدا .
تقدّمت مختارا تأخّرت مبعثا ؛ * فقد شملت علياؤك القبل والبعدا « 6 » .
وعلّة هذا الكون أنت ؛ وكلّ ما * أعاد فأنت القصد منه وما أبدا « 7 » .
فما ذا عسى يثني عليك مقصّر ، * ولم يأل فيك الذّكر مدحا ولا حمدا « 8 » .
عليك صلاة اللّه ، يا كاشف العمى ، * ومذهب ليل الرّوع وهو قد اربدّا « 9 » .
تقضّى زماني في « لعلّ » وفي « عسى » * فلا عزمة تمضي ولا لوعة تهدا « 10 »
إلى أن أحطّ الرّحل في تربك الذي * تضوّع ندّا ما رأينا له ندّا « 11 » .
لمولدك اهتزّ الوجود فأشرقت * قصور ببصرى ضاءت الهضب والوهدا « 12 »
هامش
( 1 ) ناب فلان عن فلان : قام مقامه وفعل ما يجب عن الآخر . أذرى فلان الدمع : نثره ( بكى ) . عفّر ( مرّغ بالتراب ) .
( 2 ) أضحى من أحبته فردا : لم يبق له محبّ ( ؟ ) .
( 3 ) تعتاد ( بالبناء للمعلوم ) - تعتاده ( تعود إليه مرة بعد مرة ) .
( 4 ) أجدى : أنفع . ما أجدى : ما أنفعه . ما أندى كفك : ما أكثر نداها ( كرمها ) .
( 5 ) بوّأ اللّه العبد مكانا : أنزله فيه وأسكنه .
( 6 ) اختارك اللّه للرسالة قبل جميع الأنبياء ، ولكن جعلك آخرهم في الزمن .
( 7 ) واللّه خلق هذا العالم من أجل أن تكون أنت رسولا إليه . وكل شيء خلقه اللّه بعد ذلك كان أيضا من أجلك . أبدأ : فعل الشيء ابتداء ( للمرّة الأولى ) . أعاد العمل : عمله ثانية وثالثة الخ .
( 8 ) ألا يألو ألوا : قصّر . الذكر ( القرآن الكريم ) .
( 9 ) الروع : الخوف . اربدّ : تغيّر لونه ( أظلم ، اشتدّ ) .
( 10 ) اللوعة : حرقة الحبّ أو الحزن .
( 11 ) الندّ : ( بالفتح ) : الرائحة الطيّبة ، ( بالكسر ) : المثيل ، الكفؤ .
( 12 ) اهتز الإنسان ( طرب ، فرح ) . لمّا ولد الرسول : أضاءت السماء وظهرت أقطار العالم واضحة ، حتى إن المباني التي في بصرى ( في الشام ) رؤيت من مكّة . الهضب : المكان العالي . الوهد : المكان المنخفض .