وكانت غاية صلاح الدين من ذلك أن يكون من المسلمين جماعات مجتمعة متأهّبة في أيام اجتماع النصارى في أعيادهم لئلّا يهاجم الإفرنج الصليبيّون بلدة مسلمة والمسلمون فيها أو حولها غافلون عن ذلك . وانتشرت هذه المواسم في الشام ومصر والعراق ثمّ عاش عدد منها بعد ذلك زمانا طويلا .
يخبرنا ابن جبير في « رحلته » أنّه شهد احتفالا بذكرى مولد الرسول في مكّة ، في أواخر القرن السادس للهجرة ( أواخر القرن الثالث عشر للميلاد ) .
وفي مطلع القرن السابع للهجرة كان مظفّر الدين كوكبوري صهر صلاح الدين الأيوبي ( زوج أخته ) يقيم احتفالات لذكرى المولد في ولايته ، في إربل ، بالعراق . وقد نظم ابن دحية الكلبيّ المتوفّى سنة 633 للهجرة ( 1235 م ) لكوكبوري « مولدا » ( سيرة لرسول اللّه : التنوير في مولد السّراج المنير ) .
ومن الشام ومصر انتقل هذا الاحتفال بذكرى مولد الرسول إلى المغرب والأندلس ، ثمّ إلى الهند أيضا . قال السّخاويّ ( ت 902 ه - 1497 م ) في كتابه « التبر المسبوك في نصيحة الملوك » ( ص 13 - 14 ) : « ولا ( يزال ) أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ، صلّى اللّه عليه وسلّم : يعملون الولائم لذلك ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصّدقات ويظهرون السرور ويزيدون في المبرّات ويتغنّون بقراءة مولده الكريم . . . وأكثرهم بذلك عناية أهل مصر والشام . وللسّلطان في تلك اللّيالي مقام يقوم فيه . . . فلقد حضرت ليلة مولد من سنة 785 « * » عند الظاهر برقوق » .
والبديعيّات ( مدح رسول اللّه ) فنّ قديم جدّا بدأه كعب بن زهير بن أبي سلمى
( ت 26 ه - 645 م ) في أيام الرسول ( راجع الجزء الأوّل من هذه السلسلة ) . ثمّ اتّسع القول في ذلك . وخرج هذا الفنّ من المدح المألوف إلى التغنّي به في المناسبات ، وفي ذكرى مولد رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، من كلّ عام . فمن الذين وضعوا
هامش
( * ) ليلة المولد ( بالحسبان العربي ) : العرب يحسبون اليوم من غروب الشمس إلى غروبها في اليوم التالي ، فالليلة عندهم قبل النهار . فليلة المولد ، إذن ، هي الثاني عشر من شهر ربيع الأول ( من سنة 785 للهجرة : 16 / 5 / 1383 م ) . أمّا في حسباننا اليوم ( في الرزنامة ) فليلة المولد في تلك السنة كانت ( عندنا اليوم ) أول ليل الحادي عشر من ربيع الأول 785 ه ( 15 / 5 / 1383 م ) .