تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب العربي — صفحة 607

مساهمون:

ص٦٠٧
منه ! لا يصلح هذا الإبريق إلا لهذا الطست ، ولا يصلح هذا الطست إلا مع هذا الدست « 1 » ، ولا يحسن هذا الدست إلا في هذا البيت ، ولا يجمل هذا البيت إلا مع هذا الضيف . أرسل الماء ، يا غلام ، فقد حان وقت الطعام . باللّه ، ترى هذا الماء ما أصفاه : أزرق كعين السنّور ، وصاف كقضيب البلّور ! استقي من الفرات ، واستعمل بعد البيات ، فجاء كلسان الشمعة في صفاء الدمعة . وليس الشأن في السّقّاء ، الشأن في الإناء ! « 2 » لا يدلّك على نظافة أسبابه أصدق من نظافة شرابه . وهذا المنديل ؟ سلني عن قصّته ! فهو نسج جرجان ، وعمل أرّجان . وقع إليّ فاشتريته ، فاتخذت امرأتي بعضه سراويلا « 3 » ، واتخذت بعضه منديلا . دخل في سراويلها عشرون ذراعا ، وانتزعت من يدها هذا القدر انتزاعا ، واسلمته إلى المطرّز حتى صنعه كما تراه وطرّزه . ثم رددته من السوق وخزنته في الصّندوق ، وادّخرته للظراف من الأضياف ، لم تذلّه عرب العامّة بأيديها ، ولا النساء لمآقيها . فلكل علق يوم ، ولكل آلة قوم ! يا غلام ، الخوان فقد طال الزمان ، والقصاع فقد طال المصاع « 4 » ، والطعام فقد كثر الكلام . فأتى الغلام بالخوان ، وقلّبه التاجر على المكان ، ونقره بالبنان ، وعجمه بالأسنان « 5 » ، وقال : عمّر اللّه بغداد ! فما أجود متاعها ، وأظرف صنّاعها ! تأمّل ، باللّه ، هذا الخوان ! وانظر إلى عرض متنه « 6 »
هامش
( 1 ) البيت ؛ وفي الأصل : المجلس الفخم ، المنصب . يقال دست الوزارة . ( 2 ) السنور : الهر . كثيرون من أهل بغداد كانوا يفضلون الشرب من ماء الفرات لأنه أعذب من ماء دجلة ، مع أن بغداد مبنية على نهر دجلة مباشرة . البيات : ترك الماء في الآنية مدة الليل حتى يترسب ما فيه من عكر . السقاء : الذي ينقل الماء . ( 3 ) المنديل : المنشفة . جرجان وأرجان مقاطعتان في فارس ، إشارة إلى جودة نسجه وجنسه . والسراويل مفرد سروال وشروال : ثوب للقسم الأدنى من البدن . ( 4 ) الظراف : جمع ظريف . عرب العامة : البدو . القصاع جمع قصعة : وعاء يسكب فيه الطعام . المصاع : ( الجدال ، الكلام ) . ( 5 ) على المكان : حالا . البنان جمع بنانة : رأس الإصبع . عجمه : عضه ليعرف قساوته . ( 6 ) متنه : ظهره ، كناية عن أن ظهره عريض ومع ذلك فهو من قطعة واحدة .