الغارات « 1 » . وكنت أطلب مثله منذ الزمن الأطوال فلا أجد ؛ والدهر حبلى ليس يدرى ما يلد . ثم اتّفق أني حضرت باب الطاق « 2 » ، وهذا يعرض في الأسواق ، فوزنت فيه كذا وكذا دينارا . تأمّل ، باللّه ، دقّته ولينه وصنعته ولونه ! فهو عظيم القدر ، لا يقع مثله إلا في الندر ! « 3 » وان كنت سمعت بأبي عمران الحصيريّ ، فهو عمله ؛ وله ابن يخلفه الآن في حانوته ، لا يوجد أعلاق الحصر إلا عنده . فبحياتي ، لا اشتريت الحصر إلا من دكّانه ! فالمؤمن ناصح لإخوانه ، لا سيّما من تحرّم بخوانه « 4 » .
ونعود إلى حديث المضيرة ، فقد حان وقت الظهيرة . يا غلام ، الطست والماء . فقلت : اللّه أكبر ! ربما قرب الفرج وسهل المخرج ؟ وتقدّم الغلام ، فقال : ترى هذا الغلام ؟ انه روميّ الأصل عراقي النشء .
تقدّم ، يا غلام ، واحسر عن رأسك ، وشمّر عن ساقك ، وانض عن ذراعك ، وافترّ عن اسنانك ، وأقبل وأدبر . ففعل الغلام ذلك .
وقال التاجر : باللّه ، من اشتراه « 5 » ؟ اشتراه ، واللّه ، أبو العبّاس من النخّاس . ضع الطست وهات الإبريق . فوضعه الغلام ، وأخذه التاجر وقلّبه وأدار فيه النظر ، ثم نقره فقال : انظر إلى هذا الشّبه ، كأنّه جذوة اللهب أو قطعة من الذهب ! شبه الشام وصنعة العراق ! ليس من خلقان الأعلاق « 6 » ! قد عرف دور الملوك ودارها ! تأمّل حسنه ! وسلني متى اشتريته ؟ اشتريته ، واللّه ، عام المجاعة ، وادّخرته لهذه الساعة .
يا غلام ، الإبريق « 7 » ، فقدمه . وأخذه التاجر فقلّبه ، ثم قال : وأنبوبه
هامش
( 1 ) الحصير : السجادة . المناداة : البيع بالمزاد العلني . آل الفرات : أسرة وليت الوزارة للعباسيين ، نكبوا وصودرت أموالهم في أيام الخليفة المقتدر ( ت 320 ه ) الغارات : النهب ( الفرهود بعامية أهل بغداد ) .
( 2 ) سوق ببغداد .
( 3 ) نادرا ، قليلا جدا .
( 4 ) أكل عنده . . .
( 5 ) النشأة ، المربى . حسر : كشف . نضا عن ذراعه : نزع ثوبه عن ذراعه . افتر عن أسنانه : ضحك .
الضمير في اشتراه تعود على الغلام .
( 6 ) هو علق ( بكسر العين ) نفيس وليس بخلق ( بفتح اللام ) قديم بل هو جديد أيضا .
( 7 ) مفعول به لفعل محذوف تقديره ( هات ) .