- كتب بديع الزمان الهمذانيّ إلى ابن أخته يعزّيه بأخيه ويحضّه على المثابرة على تحصيل العلم :
كتابي ، وقد ورد كتابك بما ضمّنته من تظاهر نعم اللّه عليك وعلى والديك . فسكنت إلى ذلك من حالك ، وسألت اللّه إبقاءك ، وأن يرزقني لقاءك « 1 » .
وذكرت مصابك بأخيك ، فكأنّما فتّتت عضدي « 2 » وطعنت في كبدي .
فقد كنت معتضدا بمكانه « 3 » والقدر جار لشانه . وكذا المرء يدبّر ، والقضاء يدمّر ، والآمال تنقسم ، والآجال تبتسم . واللّه يجعله فرطا « 4 » ولا يريني فيك سوءا أبدا . وأنت - أيّدك اللّه - وارث عمره وسداد ثغره ، ونعم العوض بقاؤك :
إنّ الأشاء إذا أصاب مشذّبا * منه أغلّ ذرى وأثّ أسافلا « 5 » !
وأبوك سيّدي - أيّده اللّه وألهمه الجميل ، وهو الصبر ، وآتاه الجزيل ، وهو الأجر ، وأمتعه بك طويلا فما سئت بديلا . أنت ولدي ما دمت والعلم شانك ، والمدرسة مكانك والدفتر نديمك . وإن قصّرت ، ولا إخالك ، فغيري خالك ؛ والسلام .
- وكتب إلى أبي بكر الخوارزميّ :
أنا لقرب الأستاذ - أطال اللّه بقاءه ( كما طرب النشوان مالت به الخمر ) ، ومن الارتياح للقائه ( كما انتفض العصفور بلّله القطر ) ، ومن الامتزاج بولائه ( كما التقت الصهباء والبارد العذب ) ، ومن
هامش
( 1 ) ( هذا ) كتابي ( أكتبه إليك ) . تظاهر : توالي ، تتابع . فسكنت إلى ذلك من حالك : اطمأننت عليك .
يرزقني لقاءك : يتيح لي أن أجتمع بك قريبا .
( 2 ) فتتت عضدي : كسرت عظم ساعدي ( كناية عن الألم من المصيبة النازلة ) .
( 3 ) كنت معتضدا بمكانه : عظيم الأمل بحسن مستقبله ، أرجو أن يكون في المستقبل ( لي ولك ) عونا . والقدر جار لشانه : تنفذ أحكامه من غير أن يلقي بالا إلى آمالنا ( ونحن غافلون عما يخبئه لنا ) .
( 4 ) الفرط : المتقدم ، السابق ( جعله اللّه ثوابا لنا مقدما عند اللّه ليوم القيامة ) . سداد ( بكسر السين ) ثغره :
تقوم مقامه ( في الأمور التي كان ينتظر منه أن يقوم هو بها ، لو كتبت له الحياة ) .
( 5 ) الاشاء جمع اشاءة : النخلة الصغيرة . التشذيب : قطع الأغصان اليابسة أو الزائدة . أغل ذرى : حمل ( في أعلاه ) حملا كثيرا . أث كثر ، التف ، كثف ( إذا شذبت الأشجار انبسطت أغصانها وكثر ثمرها واشتد جذعها ) .