فقمت . فقال : أين تريد ؟ فقلت : حاجة أقضيها . فقال :
يا مولاي ، تريد كنيفا يزري بربيعيّ الأمير ، وخريفيّ الوزير « 1 » ؟ قد جصّص « 2 » أعلاه ، وصهرج أسفله ، وسطّح سقفه ، وفرشت بالمرمر أرضه ؟ يزلّ عن حائطه الذّرّ فلا يعلق ، ويمشي على أرضه الذّباب فيزلق ؟
عليه باب غيرانه خليطي ساج وعاج ، مزدوجين أحسن ازدواج « 3 » ، يتمنّى الضيف أن يأكل فيه ! فقلت : كل أنت من هذا الجراب ، لم يكن الكنيف في الحساب !
وخرجت نحو الباب ، وأسرعت في الذّهاب ، وجعلت أعدو « 4 » ، وهو يتبعني ويصيح : يا أبا الفتح ، المضيرة ! وظن الصبيان أن المضيرة لقب لي ، فصاحوا صياحه ! فرميت أحدهم بحجر ، من فرط الضّجر .
فلقي رجل الحجر بعمامته ، فغاص في هامته « 5 » . فأخذت من النّعال بما قدم وحدث ، ومن الصفع بما طاب وخبث . وحشرت إلى الحبس ، فأقمت عامين في ذلك النّحس « 6 » . فنذرت ألّا آكل مضيرة ما عشت ! فهل أنا في ذا ، يا آل همدان ، ظالم ؟ « 7 » .
قال عيسى بن هشام : فقبلنا عذره ، ونذرنا نذره ، وقلنا : قديما جنت المضيرة على الأحرار ، وقدّمت الأراذل على الأخيار .
هامش
( 1 ) يزرى بربيعي الأمير : يظهر ربيعي الأمير بجانبه حقيرا صغيرا . الربيعي والخريفي : مسكن للربيع ومسكن للخريف .
( 2 ) جصص الجدار : طلاه بالجص ( بالكلس ) .
( 3 ) يزل عن حائطه الذر : يزلق عنه النمل الصغير ( لملاسته ) . غير أنه ( كذا بالأصل ) فسرها الشارح :
الغيران جمع غار أصله الأخدود بين اللحيين من الفم استعمله في الفواصل بين ألواح الباب . . . من خليطي ساج وعاج : أي من خشب هندي ( اسود ) مطعم ( بتشديد العين ) بالعاج ( الأبيض ) . مزدوجين أحسن ازدواج :
منسقين تنسيقا جميلا .
( 4 ) اركض .
( 5 ) رأسه .
( 6 ) أخذتني النعال ، أي أن الناس ضربوني بالنعال وصفعوني كثيرا . . .
( 7 ) في الأصل : همذان ( بفتح الميم والذال المعجمة ) والصواب : همدان ( بسكون الميم وبالدال المهملة ) وهذا اقتباس من قول عمرو بن براق الهمداني :وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ؛ * فهم أنا في ذا - يا لهمدان - ظالم ؟