الجميل ، وأثّر في ذلك الخدّ الصقيل ، لرأيت منظرا تحار فيه العيون ! وأنا أعشقها لأنها تعشقني . ومن سعادة المرء أن يرزق المساعدة من حليلته ، وأن يسعد بظعينته ، ولا سيّما إذا كانت من طينته . وهي ابنة عمي لحّا : طينتها طينتي ، وأرومتها أرومتي « 1 » . لكنها أوسع مني خلقا ، وأحسن خلقا .
وصدّعني « 2 » بصفات زوجته ، حتى انتهينا إلى محلته . ثم قال : يا مولاي ، ترى هذه المحلة ؟ هي أشرف محالّ بغداد ، يتنافس الأخيار في نزولها ، ويتغاير « 3 » الكبار في حلولها . ثم لا يسكنها غير التجّار ، وإنما المرء بالجار .
وداري في السّطّة من قلادتها ، والنّقطة من دائرتها « 4 » . كم تقدّر ، يا مولاي ، أنفق على كلّ دار منها ؟ قله تخمينا إن لم تعرفه يقينا . قلت :
الكثير ! فقال : يا سبحان اللّه ! ما أكبر هذا الغلط ! تقول : الكثير فقط ! وتنفّس الصعداء « 5 » ، وقال : سبحان من يعلم الأشياء .
وانتهينا إلى باب داره ، فقال : هذه داري . كم تقدّر ، يا مولاي ، أنفقت على هذه الطاقة « 6 » ؟ أنفقت ، واللّه ، عليها فوق الطاقة ، ووراء الفاقة . كيف ترى صنعتها وشكلها ؟ أرأيت ، باللّه ، مثلها ؟ انظر إلى دقائق الصنعة فيها ، وتأمّل حسن تعريجها ! فكأنما خطّ بالبركار « 7 » ! وانظر إلى حذق النجّار في صنعة هذا الباب ! أتّخذه من كم ؟ قل :
ومن أين ؟ اعلم . هو ساج من قطعة واحدة لا مأروض ولا عفن ؛ إذا حرّك أنّ ، وإذا نقر طنّ « 8 » . من اتخذه ، يا سيّدي ؟ اتخذه
هامش
( 1 ) المساعدة : الموافقة . حليلته : زوجته . الظعينة : المرأة المسافرة في الهودج ، يقصد امرأته أيضا .
طينته : من مستواه الاجتماعي . ابنة عمي لحا : ابنة عمي أخي أبي مباشرة . الأرومة : الأصل .
( 2 ) أصابني بالصداع : أوجع رأسي ( ؟ ) .
( 3 ) يتغاير : يغار بعضهم من بعض .
( 4 ) السطة : الوسط ، الجوهرة الكبيرة ( ؟ ) . القلادة : العقد - يقصد في وسط المحلة .
( 5 ) تنفس الصعداء : تنهد .
( 6 ) الحنية أو القنطرة المعقودة فوق المدخل .
( 7 ) البركار : أداة ترسم بها الدائرة ( بيكار ) - برجل .
( 8 ) الساج : شجر كبير من شجر الهند . مأروض : أكلته الأرضة ( بكسر الهمزة وفتح الراء ) ، منخور .
عفن ، متهرئ بالرطوبة . أنّ : أحدث صوتا لثقله . نقر : ضرب باليد . طن : أحدث صوتا متسقا ( ينفر الاناء حتى يعرف أمكسور هو أم سليم ) .