تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب العربي — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
ومددت يد البدار إلى الصدار أريد تمزيقه . فقبض السواديّ على خصري بجمعه « 1 » ، وقال : ناشدتّك اللّه لا مزّقته . فقلت : هلمّ إلى البيت نصب غداء ، أو إلى السوق نشتر شواء . والسوق أقرب ، وطعامه أطيب » . فاستفزّته حمة القرم ، وعطفته عاطفة اللقم . وطمع ولم يعلم أنّه وقع . ثم أتينا شوّاء يتقاطر شواؤه عرقا ، وتتسايل جواذباته مرقا « 2 » ، فقلت : افرز لأبي زيد من هذا الشواء ، ثم زن له من تلك الحلواء . واختر له من تلك الأطباق ، وانضد عليها أوراق الرقاق ، ورشّ عليها شيئا من ماء السمّاق ليأكله أبو زيد هنيئا « 3 » . فانحنى الشوّاء بساطوره على زبدة تنّوره فجعلها كالكحل سحقا وكالصحن دقا . ثم جلس ( أبو زيد ) وجلست ، وما يئس ولا يئست حتى استوفينا « 4 » . وقلت لصاحب الحلوى : زن لأبي زيد من اللّوزينج « 5 » رطلين ، فهو أجرى في الحلوق وأمضى في العروق ؛ وليكن ليليّ العمر يوميّ النشر رقيق القشر كثيف الحشو لؤلؤيّ الدهن كوكبيّ اللّون ، يذوب كالصمغ قبل المضغ ، ليأكله أبو زيد هنيّا . فوزنه . ثم قعد ( أبو زيد ) وقعدت . وجرّد وجرّدت حتى استوفيناه « 6 » .
هامش
( 1 ) مددت يد البدار : بادرت ، أسرعت . الصدار : ثوب يلبس على الصدر . جمعه : قبضة كفه . ( 2 ) حمة القرم : لذع الشهوة إلى أكل اللحم . اللقم : جعل اللقمة كبيرة ، النهم . الشواء : بائع اللحم المشوي . يتقاطر . . . . عرقا : يقطر منه الدهن بكثرة . الجوذابة : خبز مندى بدهن اللحم المشوي . ( 3 ) نضد : صف . أوراق الرقاق : رقاق ( أرغفة ) رقيقة كرقة الورق . السماق : شجر له ثمر حامض يظهر عناقيد . ( 4 ) التنور : الموقد . زبدة تنوره : أحسن قطعة لحم عنده . الساطور : آلة كالسكين ولكن سميكة جدا يكسر بها العظم ويرقق اللحم . ما يئست : ( المعنى غامض ) ، وفي رواية : فلا نبس ولا نبست ( بفتح الباء ) : ما تكلمنا ، بل كنا نأكل ونحن سكوت . استوفينا : أكلنا كل ما كان أمامنا . ( 5 ) اللوزينج : حلواء تصنع بالدقيق ودهن اللوز وتحشى بالجوز أو اللوز ( تشبه القطائف ) . الرطل ( بفتح الراء أو كسرها ) : وزن قديم ( 453 غراما ؟ ) . ( 6 ) ليلي العمر : صنع في الليل ( صنع في وقت كاف ينضج فيه جيدا ) . يومي النشر : طازج جديد . لؤلؤي الدهن : دهنه متكاثف متبلور ( جيد ) . كوكبي اللون : أبيض ، ناصع ( نظيف ) . جرد : استعمل يده في الأكل كأنه يضرب بها بالسيف .