تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب العربي — صفحة 601

مساهمون:

ص٦٠١
ثم قلت : يا أبا زيد ، ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج ليقمع هذه الصارّة ويفثأ هذه اللقم الحارّة « 1 » . أجلس ، أبا زيد ، حتى نأتيك بسقّاء يأتيك بشربة ماء » . ثم خرجت وجلست بحيث أراه ولا يراني انظر ما يصنع . فلمّا أبطأت عليه قام السّواديّ إلى حماره ، فاعتاق الشوّاء بإزاره ، وقال : أين ثمن ما أكلت ؟ فقال أبو زيد : أكلته ضيفا ! فلكمه لكمة ، وثنّى عليه بلطمة . ثم قال الشوّاء : هاك ، ومتى دعوناك ؟ زن ، يا أخا القحة ، عشرين « 2 » . فجعل السواديّ يبكي ويحلّ عقده بأسنانه ، ويقول : كم قلت لذلك القريد : أنا أبو عبيد . وهو يقول : أنت أبو زيد . فأنشدت :
أعمل لرزقك كلّ آله * لا تقعدنّ بكلّ حاله « 3 » . وانهض بكلّ عظيمة ، * فالمرء يعجز لا محاله .

- المقامة المضيريّة

- المقامة المضيريّة : هذه مقامة رائعة ، ولكنّها تخالف الخصائص العامّة لمقامات بديع الزمان . إنّها طويلة جدّا ( بالإضافة إلى مقاماته ) ثم ليس فيها كدية ( احتيال على النظّارة بمال ) . والسرد والوصف فيها بارعان إلى درجة أن قارئها لا يشعر بملل البتّة . وبديع الزمان الهمذاني يريد أن يصوّر في هذه المقامة طبيعة نفر من الذين استجدّ لهم غنى فهم يحبّون دائما أن يقصّوا على الآخرين وصف أحوالهم بالتفصيل من غير أن يملّوا من الكلام على أنفسهم : حدّثنا عيسى بن هشام ، قال : كنت بالبصرة ، ومعي أبو الفتح الإسكندريّ ، رجل الفصاحة يدعوها فتجيبه ، والبلاغة يأمرها فتطيعه . وحضرنا معه دعوة بعض التجّار ، فقدمت إلينا مضيرة تثني على الحضارة ، وتترجرج في الغضارة ، وتؤذن بالسلامة ، وتشهد لمعاوية ، رحمه اللّه ،
هامش
( 1 ) يشعشع : يمزج . يقمع : يقهر ، يذهب . الصارة : العطش . يفثأ : يسكن ، يكسر حدة الحرارة . ( 2 ) هاك : خذ . القحة : الوقاحة . زن عشرين : ادفع ثمن ما أكلت زنة عشرين درهما . يحل العقد التي عقدها على قطع من العملة في أطراف ازاره . ( راجع الحاشية 7 ص 599 ) . ( 3 ) افعل كل ما يخطر ببالك قبل أن تعجز عن عمل مثله .