المصلين خلفي أثناء قراءتهم للفاتحة كأن فتيلة قنديل شاعلة تضيء من حلقهم لجهة قلوبهم ، وكنت أرى قلب شخص منهم أضوأ من اللوكس ، وكان بين المصلين شخص كنت إذا أحرمت في الصلاة رأيت كأنه شبح أسود متوجها لجهة الغرب يركع ويسجد إلى تلك الناحية ولا أعلم ما السبب في ذلك .
وقد حدثني السيد الوالد رحمه اللّه تعالى أنه عندما بدأ بسلوك الطريق النقشبندي كانت الشياطين تتمثل له وكان يراهم يجتمعون عنده ( ويعملون حضرة ) ويذكرون اللّه تعالى بصوت مرتفع ، وذلك عندما يضطجع في فراشه ، وكان رحمه اللّه لا ينام إلا وهو مشتغل بالذكر القلبي ، كما هو طريق النقشبندية ، فأرادوا أن يشغلوه عن الذكر حتى لا ينام وهو ذاكر فيلتهي بالنظر إليهم والاستماع لهم .
فذكر ذلك لسيدي القطب الشيخ عبد الرزاق الطرابلسي وكان شيخه في طريق النقشبندي فقال له : احذرهم فهم شياطين . ونصحه أن يقرأ عليهم آية الكرسي .
وعاد إلى بيته وما أن اضطجع حتى جاءوه ، وراحوا يذكرون اللّه تعالى فجعل السيد الوالد يقرأ آية الكرسي ويقرءونها معه ، فرفع صوته بها فرفعوا أصواتهم أعلى من صوته فلما بلغ قوله تعالى :
« وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ »
انطفئوا وخمدت أصواتهم ، يقول السيد الوالد رحمه اللّه تعالى : فعلمت أن ذلك تلبيس منهم حتى إذا رأيتهم يشتغلون بالعبادة والذكر أكثر مني ركنت لهم وغفلت بهم عن ذكري .
وقد جاء إبليس إلى سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام فقال له : قل لا إله إلا اللّه فقال له : أقولها لا لقولك . يعني أنه يقولها لأنه لا إله إلا اللّه لا امتثالا لأمر إبليس ، فعندئذ علم أنه لا يطيعه في غيرها من باب أولى ففر منه .
وفي سلوك الطريق الصوفي تعلم السيد الوالد الصبر على الأذى واحتمال صعوبات تبليغ الشريعة ولو نال في سبيل ذلك ما نال ، مرّ مرة على رجل يلبس بنطال قصير يظهر منه فخذاه ، فقال له السيد الوالد - وكانت السيدة الوالدة تسير خلفه من بعيد - : غط فخذك يا أخي فإن الفخذ عورة . فقال الرجل بفظاظة : وما دخلك أنت يا حمار ! ؟ ؟ . . . فتابع السيد الوالد سيره دون أن يكلمه بشيء ، وكان المهم عنده أنه أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، فتقدمت السيدة الوالدة فقالت له : يقول لك يا حمار