تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غرر الشام في تراجم آل الخطيب الحسنية ومعاصريهم — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
قليل الطعام قليل الكلام إلا فيما ينبغي ، قرأ بأن مولانا عزّ وجل : قال إنه « لا يحب المسرفين » فأحب أن يقلل طعامه وكان يأكل في اليوم عدة أرغفة ، وشكى أمره إلى شيخه الشيخ عبد اللّه الجلاد ، فقال له : كل ما شئت والقدر الذي تريد ، ولكن في كل ليلة لا تنم حتى تصلي لقاء كل رغيف عشرين ركعة ، ولا يضرك معها ما أكلت لأن من أكثر العشاء حرم قيام الليل بنشاط . ورأى شيخه الشيخ عبد اللّه الجلاد رحمه اللّه تعالى يأكل في ثلاثة أيام أو أربعة رغيفا واحدا ، وكان إدامه في أكله فنجان واحد من الحليب المطبوخ أو المغلي ، ثم يشرب فوقه الشاي الأخضر ، فكان السيد الوالد يسأل أهل الرياضيات ، حتى سمع أن أناسا يأكلون كل يوم لوزة ، فرأى أن يزن ما يأكله من الطعام المعتاد ، ويجعل مقابله حطبا أخضر ويصير كل يوم يزنه طعاما بتلك الحطبة إلى أن تجف وتيبس ، ثم يضع زنتها من الحطب الأخضر ، إلى أن تيبس الأخرى وهكذا ، فيكون قد قلل طعامه تدريجيا بقدر ما تجف تلك الحطبة حتى أصبح يأكل من كل أربع وعشرين ساعة رغيفا واحدا ، وبقي كذلك مدة طويلة وكان يعمل في البزورية ، فكان إذا حمل شيئا على ظهره يشعر بضعف جسمه ، فقرر ان يأكل رغيفين أقوى له على حمل الأشياء الثقيلة ، لان الانسان مركب من الروح والجسم ، ولا بد من غذاء أحدهما غذاء كافيا ليتمكن من حمل الآخر فغذاء الجسم الطعام وغذاء الروح الذكر والتسبيح ، ولذلك بيّن صلّى اللّه عليه وسلم أن المسلمين عند خروج الدجال يبقون بلا طعام ، وأن جميع ما عندهم يتبع الدجال وسألته أم المؤمنين : فكيف بالمؤمنين يومئذ ؟ فقال لها صلّى اللّه عليه وسلم : يكفيهم ما يكفي الملائكة ، وهو التسبيح » . وبقي مولاي الوالد بقية دهره يأكل وجنتين فقط صباحا وعصرا حتى اختاره اللّه تعالى لجواره . وقام السيد الوالد بعمل سمعنا عنه في السلف الصالح ، فقد أتخذ قاطعا من خشب ، كان يدرب نفسه على النزول فيه والتفكر في الموت وما بعد الموت وكأنه قبر ، « 1 » قال مرة للشيخ ناجي ( أخي الشيخ علي الطنطاوي ) :
هامش
( 1 ) كان الربيع بن خثيم التابعي ينزل في قبر اتخذه في داره ويقرأ قوله تعالى : ( رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) ثم يقوم من قبره ويقول : يا ربيع قد أرجعت فانظر ما ذا تعمل . رضي اللّه عنه وعن والدينا .