وهذه الهيئة اليوم اندرست وماتت سنتها ، واحتار في كيفية إرخاء العذبتين واغتمّ لذلك وأكثر التفكير فيها حتى لا يكون قد خالف سنة النبي صلّى اللّه عليه وسلم .
وفي يوم من أيام العيد حضر لدار الشيخ رشيد الحبال « 2 » رحمه اللّه تعالى ، وبينما كانوا يشتغلون بالانشاد والصلاة عليه صلّى اللّه عليه وسلم إذ يراه قد أتى من المدينة وهو ينظر إليه إلى أن استقر معهم في المجلس ، وراح السيد الوالد يناجي حضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ويشكو له أمورا كان يجيبه عنها بالإشارة ، ثم نزع سيدنا النبي عمامته من على رأسه ولفها كما ألفها أنا اليوم ، وكما كان السيد الوالد يلفها قبلي - وأرخى أحد طرفيها من الوراء قريبا من جهة اليمين من أسفل العمامة إلى ما بين اليدين من ناحية الصدر ، وأرخى الطرف الآخر من الوراء من أعلى العمامة إلى ما بين منكبيه ، ثم أشار إليه قائلا : هكذا تعمم . فنزع السيد الوالد عمامته مباشرة في ذلك المجلس وتعمم على تلك الصورة ) « 3 » ، وبقيت تلك العمامة عالية مرفوعة طيلة حياته لم تسجد لغير اللّه تعالى .
لم يترك السيد الوالد رحمه اللّه تعالى سنة إلا وعمل بها ، وشهد له بهذا أهل عصره وكانت صوفيته سنية صادقة ، وكان يتحرى أن يكون كل شيء من فعله موافقا للسنة ، ولا أنسى إن نسيت موقفا ما فعله معي في صغري في أحد مجالسه العلمية ، حيث تقدمت لأشرب كأسا من الماء تناولته من على الطاولة ، فصببت الماء ثم أخذت الكأس وجلست القرفصاء ثم شربت ثلاث مرات كما هي السنة ، فإذا بالسيد الوالد رحمه اللّه يخرج من جيبه ربع ليرة سورية فضة وقال لي : هذه مكافأة لأنك طبقت السنة عندما شربت ، اللهم ارحمه واعل مقامه عندك .
وحين رأى السيد الوالد الاختلاف في وضعية رفع اليد في السلام من على بعد بين الناس ، كان السيد الوالد مهتما أن يرفع يده بالسلام على وجه السنة ، فما الذي جرى ؟ ! !
لا أشك أن ذلك كان سببه كثرة الصلاة على سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :
كان سيدي الوالد يصلي إماما في جامع الخريزاتية وهو يتلو في التشهد قول :
هامش
( 2 ) - أحد أولياء عصره ومن كبار الصالحين كان له مجلس ذكر بجوار المعزبة الوسطى في جامع بني أمية الكبير .
( 3 ) - وحين توفي السيد الوالد رحمه اللّه ألبسني هذه العمامة الشيخ محمد رفيق السباعي وقال لي : كنت أسمع أبوك يقول إنها عمامة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولا ينبغي لعمامته أن تفنى أو تزول ووضعها على رأسي أمام الشيخ محمود الرنكوسي وآخر كان معه رحم اللّه الجميع .