كانت مدينة تذكر ، وما يدّعيه علماء الإفرنج من أنه كان يوجد بموقعها الآن قرية تسمى ( تبرورا -
Taparura
) فهو محض وهم لا يقرّه الواقع ولا الآثار ، أجل ، إن مكان ( تبرورا ) التي جاء ذكرها عرضا في عصر الرومان ، لم يزل معروفا وهو يبعد عن صفاقس بنحو كيلومترين من الناحية الشرقية ، وبه أنقاض للأول يعثر عليها إلى اليوم .
أما صفاقس الحاضرة فهي بلا ريب من منشآت الدولة الأغلبية كما ستراه .
وقد أفادنا الأخباريون العرب أن مكان صفاقس كان به - أول ما كان - محرس ( رباط ) من محارس الساحل البحري أحدثه الولاة العباسيون في منتصف القرن الثاني للهجرة - هرثمة بن أعين أو غيره - وكان يحتلّ حينئذ من أرضها موضع قصبتها الآن ، وهو الذي عرف فيما بعد " بالبرج الأحمر " قرب الضريح المنسوب إلى سيدي جبلة ، فيكون ذلك في مكان قصبتها التي اتّخذت فيما بعد ثكنة للعساكر ، وحول هذا الحصن كان ينزل - فيما مضى - أناس من ضعفاء الصيادين للسمك يسكنون إخصاصا بسيطة تسمى ( بالأعشاش ) ، ويظهر أن عمران تلك الجهة كان غزيرا إذ كان يضمّ في دائرته كثيرا من صغار القرى والضيعات الزراعية ، حسبما كان ذلك مألوفا في سائر نواحي إفريقية القديمة ، فاتّخذ سكان الناحية فناء ذلك الحصن للبيع والشراء ، فتألفت من اجتماعهم هنالك سوق أسبوعية تجتمع كلّ يوم جمعة ويتعاطى الأهالي عرض بضائعهم ، حتّى اشتهر المكان وصار يقصده أهل الضيعات القريبة وسكان الجزائر المجاورة كأهل ( قرقنة ) وحتّى من جربة ومدينة قابس وناحيتهما ، وبتوالي الأيام تكوّن هناك مرسى بحري ضعيف ، ولم تزل الحال تترقّى بذلك السوق إلى أن آل الحكم إلى دولة بني الأغلب ، وكلنا نعلم اهتمامها الشديد بتعمير البلاد وتمصير قراها .
أسلفنا أن سادس أمرائها ( أبو إبراهيم أحمد ) ممن أقبل على إشادة بناءات لا تحصى ذات نفع عمومي في سائر المدائن الإفريقية ، ومن أخصّها تخطيط صفاقس وتعميرها وقلبها من سوق قروية حقيرة إلى مدينة من الأهمية بمكان .
هامش
- الثالث للهجرة ) وأبي عبيد البكري ، والإدريسي ، والتجاني وغيرهم - وليس من شك أن أصل اسم ( صفاقس ) مقتبس من اللغة الليبية البربرية القديمة وحرف الصاد لا يوجد بها .