تدل على أن هذا الإنشاء قد حصل في أول عهد الدولة الأغلبية ، لأنا نجد زيادة اللّه الأكبر في مقدمة من زار من الأمراء مؤسسة " الدمنة " وأنه كان يشملها بعطفه ويحيطها برعايته ، ولم نر من آل بيته من كان يتعهدها قبله بالزيارة ، لذلك السبب يغلب على الظن أنه هو الباني الأول لمرستان القيروان .
وغير خفي من ناحية أخرى أن هذا الأمير عرف بنشاطه في تشييد المعالم ذات النفع العام كما عرف بمساعيه في تدعيم أسس الإمارة الأغلبية وتنسيق قواعدها الإدارية والسياسية ، ويكفينا شاهدا على ذلك أنه أول من اتجه إلى اتخاذ مدينة سوسة ( دار صناعة ) لتجهيز الأساطيل الحربية ، فلا يبعد أن يكون هو أيضا الذي أقام بتلك المدينة مرستانا لإيواء المرضى من العساكر البحريين وغيرهم عندما اختطّ سائر معالمها الأخرى من أسوار وقلاع ، وإذا صحّ هذا التقدير جاز أن نحكم أن هذه المنشآت ترجع بتاريخها إلى العقد الثاني من القرن الثالث للهجرة .
على أن هذا الاحتمال لا يمنع من تتابع اتّخاذ المعاهد والزيادات فيها في بقية المدة الأغلبية الغنية بالإنشاءات المفيدة النافعة ، لا سيما في أيام ولاية السادس من أمرائهم ، أعني : أبا إبراهيم أحمد ، أكبر من اشتهر بالعمارة في مختلف النواحي في مدائن إفريقية .
ويتلخّص مما سبق أن دمتني القيروان وسوسة يمكن نسبة تأسيسهما إلى الأمير زيادة اللّه الأول ما بين سنة 210 و 220 ه ( 825 و 835 م ) .
ومن المناسب أن نشير بلمحة سريعة إلى مرستان آخر كان معروفا ومذكورا غير المتقدمين ، ألا وهو :
دمنة صفاقس
مدينة صفاقس " * " من محدثات الأغالبة ، ولم يثبت أن بمكانها قديما
هامش
( * ) اصطلح التونسيون - من عصر غير بعيد - على رسم ( صفاقس ) بالصاد في أوله وبالسين في آخره ، مع أن المتقدّمين كانوا يكتبونه بالسين في الأول والآخر ، ولا ندري ما أوجب هذا التغيير ، لا سيما وأن نطقه التونسي الجاري يلفظها بسينين لا بالصّاد ، وعلى القياس الأول ضبطها رحّالوا العرب وجغرافيوهم القدماء كالبلاذري ، واليعقوبي ( من القرن -