وأول عمل قام به الأمراء في هذا الصدد هو إحاطة المدينة بسور منيع من الحجارة يحيط بها من جميع جهاتها ، تقع في أطرافه حصون محكمة البناء ، ووضعوا بداخلها محرسا عظيما للمرابطة اقتبسوا شكله من أخيه المتقدم في السن رباط المنستير ، وقد عرف بقصر سوسة ، وهو اليوم من المفاخر الجليلة للبلاد .
ومن المحقّق أن الأغالبة أحدثوا بعد ذلك في أحياء المدينة ، دمنة ( مرستان ) على نمط ما كان موجودا في القيروان ، إلا أن هذه ربما كانت أقل اتساعا نظرا لصغر سوسة بالنسبة لعاصمة إفريقية الكبرى بعدد قاطنيها ، ويتضح من النصوص التاريخية أن الأمراء كانوا يعتنون أيضا بشئونها ويخصّونها بالزيارة حينما يقدمون لتفقّد مرفئهم الحربي الكبير ، فيمنحون مرضاها العطايا بين الفينة والأخرى ، ويوزّعون عليهم الهبات والعطايا من المال والأطعمة واللباس .
ولا يبعد عندي أن المجدّد لمرستان سوسة هو الأمير أبو إبراهيم أحمد صاحب المباني الجليلة في سائر أنحاء القطر الإفريقي ( من سنة 242 إلى 249 ه ) . ومن المحقق أيضا أن ابنه إبراهيم الثاني قد زار مرات عديدة هذه الدمنة ونفل المقيمين بها بإعانات ذات بال تسعفهم على احتمال نوائبهم " * " فنراه مثلا يجتمع بأهل العلم منهم ويحادثهم طويلا جبرا لخواطر هؤلاء الأضراء .
وهكذا اقتضت حكمة أمراء بني الأغلب وحسن سياستهم الاجتماعية أن امتزجوا امتزاجا قويا بأفراد الشعب ، وأصغوا إلى شكواهم وأسعفوهم بما يحتاجون إليه من المعونة ، ونشأ عن هذا السلوك الرشيد أن اكتسبوا ثقة الأمّة الإفريقية ومحبة الصغير والكبير والغني والفقير بالسواء ، الأمر الذي لم ينتهجه غيرهم ممن جاء بعدهم من الملوك والأمراء ، وفي ذلك بلاغ .
تأسيس الدمنات
قلت فيما تقدم أني كثيرا ما تساءلت : متى أحدثت هذه المرستانات في القطر التونسي ومن هو المنشئ لها ، وفي الحقيقة أني لم أجد بين النصوص ما يطمئن إليه الخاطر إذ أن الإخباريين أغفلوا التنصيص عليه ، لكن القرائن التاريخية
هامش
( * ) رياض النفوس [ 2 : 9 ] .