يكن لها في الحقيقة نصيب كبير من تاريخ البلاد .
فلما عزم القائد ( حسّان بن النّعمان ) على حصار قرطاجنة لامتلاكها - سنة 69 ه / اتخذ قرية ( تونس ) قاعدة لمعسكره ، نظرا لجوارها من العاصمة القديمة التي حمل عليها وضيّق عليها الخناق حتّى اغتصبها وصالح أهلها ، ثم خالف عليه سكانها فأعاد حصارها واستولى عليها للمرة الثانية وخرب بعض قلاعها لئلا تعود للخلاف ، كما هو مبسوط في التاريخ .
وأنف حسان أن يعيد إلى قرطاجنة الهيمنة البائدة باتخاذها مقرا لجيشه ، وذلك لأسباب سياسية وحربية معا ، فاختار بدلا عنها تونس وترك قرطاجنة وشأنها ، ومنذ ذلك الحين طرقها الوهن والخراب .
وقد ابتدأ حسان في تعمير تونس تعميرا بسيطا مناسبا لضروريات الجيش ، وأول عمل أمر به هو حفر خليج متّسع يصل بحيراتها بماء البحر من جهة ( رادس ) من ناحية ، ومن جهة ( حلق الوادي ) من ناحية أخرى ، وهذا لم يكن موجودا من قبل ، ومنذ ذلك الوقت صارت السفائن البحرية ترسو في ميناء تونس ، وهكذا اتصلت تونس مباشرة بالبحر المتوسط ، وإنما قام حسان بهذا العمل الجليل ليتسنى للفاتحين تأسيس أول ( دار صناعة ) في الإسلام لإنشاء الأساطيل ولدفع غارات الروم على الساحل الإفريقي " * " .
ومن آثار حسان في تونس اتخاذه مسجدا بسيطا عرف باسم " الزيتونة " ويظهر أنه أحلّه مكان معبد متواضع للرومان ولنصارى البيزنطيين من بعدهم ، ويقال أنه كان بفنائه شجرة زيتون فنسب المسجد الإسلامي إليها .
ومن ذلك الحين دبّ التمصير العربي في تونس وناحيتها ، وتتابع في عصر الولاة الأمويين ثم العباسيين ، وما من وال إلا يزيد في معالمها ويوفّر لها أسباب الحضارة ووسائل التمدين حتّى أصبحت بعد حين من مدائن المغرب الكبرى .
وجدير بالذكر أن تونس كانت أثناء تلك المدة المعسكر الكبير للجنود العربية على حين كانت القيروان القاعدة السياسية الإدارية للبلاد ، فهذا المركز
هامش
( * ) مقدمة ابن خلدون 449 .