" كان أمراء بني الأغلب يخرجون من الجامع ( بالقيروان ) إلى دور العباد والعلماء والمحارس و " الدمنة " بالصدقة ، يلبثون بالقيروان يفرّقون الأموال على المساكين والمستورين . . . فكان جملة ما أمر به زيادة اللّه لمن بالدمنة ستمائة دينار ذهبا " " * " .
وقد صارت زيارة الدمنة عادة مألوفة لمن تولى بعد زيادة اللّه الأكبر من الأمراء الأغالبة إلى آخر عهد دولتهم : 296 ه / 911 م ويخيّل لي أن تلك السّنة الحسنة ظلت متبعة ممن تولى أمر إفريقية بعد بني الأغلب ، أعني من الفاطميين والصنهاجيين ولم تنقطع إلا بخراب القروان من جرّاء الزحفة الهلالية في منتصف القرن الخامس للهجرة .
ومن ناحية أخرى نعلم أن كثيرا من أعيان القيروان ووجوه علمائها كانوا يتعهدون أهل الدمنة ، لا سيما بمناسبة المواسم والأعياد ، ويرفعون إليهم ما يعوزهم من الملابس المناسبة لتدفئتهم ، ومن الأطعمة المحرومين منها لانقطاعهم عن أهاليهم .
فنرى - في القرن الثالث - صاحب فرن من المشهورين بصنع الخبز الطيب في القيروان - يرسل إلى أهل الدمنة جملة الخبز المتحصل من فرنه . قال الأخباري الخرّاط :
" بلغني عن هاشم بن مسرور - صاحب فرن بالقيروان - أنه كان ربما أخرج له الخبز من الفرن ، فإذا نظر إليه وأعجبه طيب رائحته أمر أعوانه أن يرفعوه بأكمله إلى الفقراء والأضراء من أهل " الدمنة " فإذا جاءه المشترون للخبز قال لهم : بعناه لمن يوفينا ثمنه وزيادة " " * * " .
ونقل الدباغ عمن تقدمه : أن هاشم بن مسرور المذكور - المتوفى سنة 307 ه - كان يذهب إلى " دار الجذماء " فيصنع الحلوى في عيدي الفطر والأضحى ، ويجعل المرضى صفوفا فيطعمهم ويدعو لهم ثم ينصرف " * * * " .
هامش
( * ) معالم الإيمان [ 2 : 115 - 117 ] .
( * * ) رياض النفوس [ 2 : 144 ] .
( * * * ) معالم الإيمان [ 2 : 342 ] .