نظام الدمنة :
لم يشأ الجغرافيون وأهل الأخبار أن يفيدونا بأقل إشارة عن بناية ( الدمنة ) في القيروان شكلها وترتيبها ، ولا عما احتوت عليه جدرانها من الأقسام والمنافع ، لكن باستقصاء ما جاء من النتف في شأنها ضمن تراجم بعض الأضراء المصابين بالأسقام المزمنة من بين العلماء والعبّاد النساك أمكننا أن نستخلص شيئا يسيرا عن نظامها وتفريعها ، وقد بذلنا الجهد في الاستفادة من تلك النتف المنبثة هنا وهناك رجاء أن يتجمع منها تعريف بسيط يدرك من خلاله طراز أقدم المستشفيات التونسية .
ومما تجمّع من الاطلاعات والبحث يتبين أن الدمنة كانت بناية في شكل مربّع الأضلاع أو مربع مستطيل ، يدخل إليها من باب واحد كبير يفتح على سقيفة طويلة ( دهليز ) معقود سقفها على قوس ( أزج ) مرتفع ، ويحفّ بجانبي السقيفة غرفتان صغيرتان أو أكثر يسكنها حارس أو حراس الدمنة ، وعلى طول السقيفة يمينا وشمالا مصطبتان قصيرتان ملتصقتان بالجدار الأصلي ، يجلس عليهما العوّاد عند زيارتهم للمرضى ، وفي آخر السقيفة باب ثان أصغر من باب المفتح يفضي إلى صحن متّسع غير مسقّف ، ويحيط بجوانب الصحن الثلاثة أو الأربعة أروقة ( مجنّبات ) معقودة السقوف ، ومن ورائها عدة حجرات صغيرة بسيطة معدة لإيواء المرضى .
وفي وسط الرواق المواجه للمدخل مكان مسجد صغير لإقامة الصلوات للمقيمين بالدمنة .
ومن جهة أحد الأروقة يوجد باب مستقل يدخل منه إلى دار فسيحة تحتوي على حجرات لا ندري عددها ، تشبه لا محالة الحجرات المتقدم ذكرها ، وهذه الدار كانت تسمى " دار الجذماء " لا يقيم بها إلا من كان مصابا بداء الجذّام " * " .
هامش
( * ) راجع معالم الإيمان [ 2 : 342 ] ولا يخفى أن الجذام( Lepre )داء عضال فتّاك كان منتشرا بكثرة في سائر أنحاء العالم القديم ، ولم يكن له دواء ناجع معروف ، وإنما كان يعالج بطريقة التجربة ، وقد قاست من جرائه البشرية - أثناء القرون الوسطى - ما لم تعانه من -