ولإخفاء أنه من مبدأ ظهور البشرية كان من وظيفة المرأة بل من رسالتها الكبرى في المجتمع تمريض الأولاد والأقارب ، فالأمّ هي المعيّنة لمعالجتهم في الصغر وحتّى في الكبر ، لما أودع اللّه في طبيعتها من الصبر على ذلك ، ولما خصّها به من عاطفة الحنوّ والشفقة .
ما هي الدمنة :
انقضى عصر الولاة ونالت إفريقية استقلالها على يد بني الأغلب التميميين سنة 184 ه / 800 م فعمدت دولتهم الفتية إلى تمدين البلاد وتجهيز مدائنها الكبيرة بالمصالح ذات النفع العام ، فأنشأت الأسوار والحصون الحربية على السواحل ( الرباطات ) وفي التخوم : المسالح ؛ واهتمت بالطرقات فعبّدت المسالك الرومانية القديمة ، وأصلحت ما انثلم من الجسور على الأودية تسهيلا لمرور السابلة ، كما اعتنت بداخل المدائن ، فنظمت أسواقها ودروبها ومجاري مياه أوساخها ، ثم التفتت إلى وسائل المحافظة على الصحة العمومية فأحدثت في كلّ مدينة كبيرة في القطر مرستانا أو مستشفى للمصابين بالأمراض المعضلة التي يطول علاجها والتي يخشى منها تسرّب العدوي إلى السكّان .
دمنة القيروان :
وأول هذه المرستانات هي الدار التي أنشئت بالقيروان في ناحية من أطرافها تسمى " الدمنة " تقرب من المسجد المعروف بمسجد السبت ، وإنما أطلق على هذا المستشفى اسم الموضع الذي أقيم فيه البناء ، فصار علما له ، فاقتصر في تعريفه على كلمة " الدمنة " وأسقط اسم " بيمرستان " أو " مرستان " أو مستشفى ، وربما عرف كامل الحي باسم " حارة المرضى " " * " .
وجدير بالملاحظة أن المستشفيات التي أحدثت بعد ذلك في المدائن الكبيرة : تونس ، وسوسة ، وصفاقس ، كانت على غرار مرستان القيروان وعلى نظامه وترتيبه ، وقد عرفت كلّها باسم " الدمنة " تقليدا لعاصمة البلاد واتّباعا لرسومها في التسميات .
هامش
( * ) رياض النفوس [ 2 : 138 ] .