وهناك بلغت الحركة إلى ذروة العناية العلمية من كشف وتحليل وتمحيص وتطبيق إلى أن فاقت كلّ الحركات الثقافية للأمم المتمدنة في العالم المعروف وقتئذ .
أما في بلاد المغرب ، وخاصة في إفريقية ، فإن حملة الغزوات والحروب المحلية شغلت العرب عن الاهتمام بالعلوم وتطبيقها إلى منتصف القرن الثاني للهجرة ، ولم تبتدئ العناية بذلك إلا بقيام الولاة من ( بني المهلب ) في إفريقية ، عمّالا للخلافة العباسية .
وأول طبيب - بالمعنى الصحيح - يظهر في البيئة الإفريقية هو الطبيب السرياني ( أبو يوحنّا ماسويه ) المسيحي النحلة ، فإنه قدم القيروان في صحبة الأمير يزيد بن حاتم المهلّبي - حدود سنة 155 ه / 772 م ونراه يسهر على صحة الأمير الجليل ، ويجالسه ، ويتناول الطعام على مائدته ، ويعالج رجال الدولة وأعيانها " * " .
وكان أبو يوحنا ماسويه هذا ممن تعلّم في بيمارستان ( جندىسابور ) في العراق ، وأقام بعد ذلك يباشر المرضى به مدة ثلاثين سنة ، ثم اتصل بهارون الرشيد فخدمه بطبه وعلمه ، ويظهر أنه اتصل في تلك الأثناء بالأمير يزيد المهلبي " 26 " الطائر الصيت في النجدة والتدبير والكرم : وهو الذي استصحبه في جملة من استصحب من العلماء الأجلاء إلى القيرون " * * " . ولا ندري أكانت إقامة أبو يوحنا فيها إلى آخر أيامه أم أنه رجع إلى المشرق بعد وفاة الأمير يزيد ، وهو
هامش
( * ) طبقات أبي العرب ص 29 وقد سمّاه " يحنى " بدل : " أبو يوحنّا " وكذا : معالم الإيمان [ 1 :
237 ] .
( 26 ) إذا صحّ اتصال ( أبي يوحنّا ماسويه ) بيزيد بن حاتم فيكون ذلك قبل سنة 170 وهي سنة ولاية الرشيد العباسي الخلافة ووفاة يزيد بن حاتم بإفريقية ، ونحن نعلم أن حضوره بالقيروان كان خلال سنة 161 ه وهي سنة وفاة القاضي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم .
وقد شهدها ماسويه .
( * * ) راجع ترجمة ( ماسويه ) في عيون الأنباء 1 : 171 .