طلبناك بذكر ما سلف إلى أن صرت تطلبه في التوقيف . قال : فقال الأمير : آمر مناديا ينادي لا يتكلم أحد في الكلام . قال : فقلت له : أيها الأمير الناس هادون ساكنون فمتى ناديت حركت ساكنا . 4 قال : ثم جرى ذكر تكلم اللّه لموسى صلّى اللّه عليه وسلم .
فقلت : ممن سمع موسى الكلام ؟ قال ابن الأشج : من الشجرة . قلت : من ورقها أو من لحائها ؟ قال أبو عثمان : فو اللّه ما درى أحد من أهل المجلس مرادي - فيما ظهر لي - إلّا الأمير ، فبدر فقال لابن الأشج : اسكت ويلك ، خوفا أن يجيب فيجب عليه القتل . قيل لأبي عثمان وما أردت - أصلحك اللّه - بهذا الكلام ؟ فقال :
لأنه كل ما صرّح فقال بأنه من الشجرة على الحقيقة كفر وزعم أن اللّه تبارك وتعالى لم يكلم موسى وأنه لم يفضله بكلامه . قال : ثم حوّل الأمير وجهه إليّ فقال لي :
أقول لك كما قلت لابن طالب لا أقول مخلوقا ولا غير مخلوق . قال : فقلت له :
لم ؟ قال : لأن اللّه تعالى قال كلامي ولم يقل مخلوقا ولا غير مخلوق . قال : فقلت له : فإن قال غيرك مثل ما قلت في علم اللّه سبحانه ، فقال : إن اللّه عزّ وجلّ لم يقل مخلوقا ولا غير مخلوق وسلك في العلم مسلكك في الكلام ؟ قال : فقال : واللّه لو قال ذلك أحد لقسمته بسيفي ، قال : فقلت له : ولم ؟ قال : لأنه لو كان مخلوقا لكان قبل أن يخلق العلم جاهلا ، لأن ضد العلم الجهل . قال : فقلت له : فكذلك لا يقال في الكلام مخلوق لأنه لو كان مخلوقا لكان موصوفا قبل خلقه بضده وهو الخرس . وما لزم في العلم لزم مثله في الكلام . ودليل آخر : إن العلم لا يعدو إحدى منزلتين : إما أن يكون صفة فعل كان من اللّه عزّ وجلّ فمن شك في خلق ذلك فهو كافر ، ولعلم اللّه وقدرته ، ومن شك فلم يدر ذلك مخلوق أو غير مخلوق فهو كافر . والكلام لا يعدو هاتين المنزلتين . فالواقف شاهد على نفسه بأنه تارك للقول بالحق حتما . قال : فتبتسم ، وبين لي أنه فهم ما كلمته به ، وابن الأشج يكرر القول ويبديه : يريد القول بالوقف ، فأقبل عليّ إبراهيم بن أحمد فقال لي : أقول لك كما كنت أقول لابن طالب : أنت لا تضطرّني إلى مذهبك وأنا لا أضطرك إلى مذهبي .
قال : ثم أخذ ابن الأشج في مدح أهل العراق وتفضيلهم على أهل الحجاز فقال : لقد قال أسد : سألت مالكا فأجابني ، وسألته عن أخرى فأجابني ، ثم سألته عن مسألة أخرى فأجابني ، فقال لي رجل كان واقفا على رأس مالك - رضي اللّه
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 663
مساهمون: حسن حسني عبد الوهاب
ص٦٦٣