ومن بغداد انتقلت إلى الآفاق الإسلامية فمن الشام إلى مصر وأثارت من الخلاف والنزاع بين المتكلمين ما هو معروف مدوّن ، ثم هي تظهر في المغرب ويتلقّفها الفقهاء والمتكلمون والمعتزلة كل حسب نزعته ، ويتدخّل في لجاجها الأمراء والكبراء ، ويتفشّى النقّاش فيها إلى أن ينزل إلى طبقة الشعب وتذهب فيها أفكار العامة كل مذهب ، ولم ينطف لهيبها إلا في خلافة المتوكّل على اللّه العباسي .
ونورد هنا - نموذجا لتلك المناقشات - مما رواه أبو بكر المالكي " * " عند التعريف بأبي عثمان سعيد بن الحدّاد ، كبير المناضلين عن السنة ، قال المالكي :
" وكانت له مجالس كثيرة مع أهل العراق ( يعني الأحناف ) القائلين بخلق القرآن من أهل القيروان " وأنا أذكر منها مجلسا واحدا ليستبين الناظر في هذا الفصل موضع سعيد بن الحداد من العلم وقيامه بالحجة لأهل الحق ( يعني أهل السنة ) فمن ذلك مجلسه مع الأمير إبراهيم ( الثاني ) .
قال رحمه اللّه تعالى " 14 " : دخلت على إبراهيم الأمير وكان حاضرا للمجلس ابن الكوفي ، وهو قاضيه يومئذ ، وابن الأشج وجماعة فلما دخلت عليه أومأ إلي - ولم أقبل له يدا ولا لغيره قط - وأدناني حتى لصقت إلى سريره . ثم أخذ بعض النافية - وهم القائلون بخلق القرآن - فقال : أيها الأمير كثر التشبيه وفشا بالقيروان وقال قائلون كذا وقال آخرون كذا . قال أبو عثمان : صرح النافي وكنيت أنا إجلالا للّه عزّ وجلّ عن تشنيع أهل التعطيل على أولي السنة ، وعلمت أنه إنما أراد أن يحرك بذلك الأمير ليصل منه إلى أمر يجد به السبيل ، إلى كيد السنة وإماتتها ، فقلت له : أيها الأمير إن ما استفاض من الخبر وانتشر ، دخل ذلك على البكر في خدرها والبادي في بدوه فكيف بمن حضر ، فليشر - أيها الأمير - إلى رجل قال ذلك من جميع البرايا ، فإن لم يفعل فاعلم مقامه - يعني من الكذب والكفر - قال :
فقال له الأمير : اذكر أحدا . قال : سوف أطلب ذلك . قال أبو عثمان : فقلت له :
هامش
( * ) رياض النفوس [ 2 : 70 - 73 ] .
( 14 ) راجعنا هذا المجلس على النصّ الذي نشرناه في رياض النفوس 2 : 70 - 73 وأثبتنا قراءتنا وأضربنا عن اجتهادات المؤلف ، كما لم نشر إلى اختلاف النسخ .