بيت الحكمة والنهضة الأوروبية
والأمانة العلمية تفرض علينا أن نعدّ من المزايا الكبرى لبيت الحكمة الأغلبي أنه أوجد النواة الأساسية للمدرسة الطبية المشهورة في تاريخ العلوم " بالمدرسة القيروانية " التي انتشر تأثيرها مدة ثلاثة قرون متوالية ، ومنها انبثقت حركة التعليم والتأليف في المادة الطبية في عموم بلاد المغرب ، ثم انتقلت كتبها ونتائج أبحاثها إلى جنوب إيطاليا حيث أنشأ الملوك النرمنديون دير ( منتي كاسّينو :
Monte Cassino
) ، وكان أول مشرف على إدارته وسيره قسيس مسيحي يسمى ( قسطنطين الإفريقي :
Constantino Africano
) وقد ولد بقرطاجنّة تونس سنة 406 ه / 1015 م - وقرأ بالقيروان في زمن المعزّ ابن باديس الصنهاجي ، وأتقن اللغة العربية وتتلمذ لمشاهير الأطباء ، واطّلع على جانب وافر من مؤلفات الطب ، ثم سافر إلى مصر على عهد الفاطميين وأكمل معرفته في العلوم الرياضية ، ثم تحول إلى صقلية حيث احتضنه ملكها النرمندي وأوكل إليه رياسة رهبان الدير المذكور ، فتصدّى قسطنطين لدراسة كتب الطب الإفريقية وترجمتها إلى اللسان اللاطيني واعتمد عليها هو ورفقاؤه - لنشر علم الطب ومناهجه في جامعة ( ساليرنو :
Salerno
) ومن هنا تسرّبت تلك التعاليم وترجمات كتب الإفريقيين وغيرهم إلى جامعات ( نابولي :
Napoli
) و ( بولونيا :
Boblogna
و ( بادوفا :
Padova
) ثم أخذت طريقها إلى غيرها من المعاهد العلمية ومدارسها في شمال إيطاليا وإمارات جرمانيا ، فكان ذلك من أقوى الأسباب لانطلاق النهضة العلمية في قلب ممالك أوروبا وظهور نشاطها في خلال القرون الوسطى .
وقد ترجم القسيس ( قسطنطين الإفريقي ) المتوفى سنة 480 ه / 1087 م جملة من كتب الطب الإفريقية ، نخصّ بالذكر منها " 13 " :
كتاب " المالنخوليا :
Melancolia
) للطبيب إسحاق بن عمران في وصف أمراض الوسواس ، ويعرف أيضا بالمرض السوداوي وطريقة معالجته ، نقله قسطنطين إلى اللاطينية في ترجمة ضعيفة جدا .
هامش
( 13 ) سنشير إلى هذه الترجمات في تراجم مؤلفيها .