تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 659

مساهمون:

ص٦٥٩
عقبة وعلى كثير من مساجد القيروان وغير القيروان ، وفي دور الفقهاء والمحدّثين .

بيت الحكمة والفاطميين

وبمجرد سقوط دولة الأغالبة سكنت حركة ( بيت الحكمة ) في رقادة ، وخفي صوته وتعطلت رسالته الثقافية ، وذلك بسبب محاولة ملوك بني عبيد الفاطميين حمل السّكان على اتّباع نحلتهم الإسماعيلية ، فبعد أن عقدت المجالس الجدلية التي دارت في أرجائه عقب حلول عبيد اللّه المهدي وقد سبقت الإشارة إليه ، نفر سكّان القيروان ، المتمسكون أشد التمسّك بمذاهب السنة وخاصة بآراء أهل المدينة أي مذهب مالك بن أنس وأصحابه ، نفروا من الاختلاط برجال الدولة الجديدة ، وهجروا رقّادة ، وقاطعوا كل من يقصدها ويلجأ إليها ، إعلانا منهم على تعلّقهم بأذيال السّنة وتمسّكهم المتين بها ورفض ما سواها من النحل والنزعات . ومن ذلك الحين تعطّلت المهمّة التي أنشئ من أجلها " بيت الحكمة " أعني تثقيف نخبة صالحة من الباحثين في العلوم الفلسفية والرياضيات ، ومن المؤسف أن لم يعوّض فيما بعد بغيره ، وقد عفى عبيد اللّه حينما حول مقرّ دولته إلى مدينة ( المهدية ) ؛ ، التي بناها على ساحل البحر ، عن معالم رقادة ومعاهدها - ومن ضمّنها " بيت الحكمة " فصار أثرا بعد عين ، ولم يبق سوى رنين صداه ، والبقاء للّه ! .

إشعاع بيت الحكمة

وهكذا تنتهي رسالة " بيت الحكمة " التونسي بعد أربعين عاما من تأسيسه ، غير أن مأثرته الثقافية لم تنضو بعد ، بل أن الكثير من روّاده وخرّيجيه تقرّقوا في أطراف البلاد وحملوا شعلته إلى الآفاق المغربية البعيدة مثل مدينة ( فاس ) وخصوصا مدينة ( قرطبة ) بالأندلس حيث زها شعاعه في حاشية الأمويين ، فأشرق أيما إشراق في دولة عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم ، مصداقا لقول اللّه تعالى : [ فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ] . * * *