يسمح بالجزم بأنه صنع في القرن الثالث للهجرة في القيروان أو في رقّادة أو في المهدية ، أشرنا إلى هذا من باب الاستطراد وإتماما للفائدة ، وقد خصصنا لموضوع الكاغذ في حركة انتقاله وفي صنعه واستعماله بحثا مستقلا في غير هذا المقام " 12 " .
وقد اشتهر غير واحد من التونسيين في صناعة ورق الكاغذ طيلة ثلاثة قرون - الثالث والرابع والخامس ه - ونسب إليها جماعة كبيرة كانوا ينعتون بالورّاقين ، من بينهم : ( إبراهيم بن سالم ويعرف بالورّاق الإفريقي ) فإنه ولد بمدينة تونس ودرس في القيروان ، وأتقن صناعة ( الوراقة ) حتى تلقّب بها ، وباشر مهنته للأمراء الأغالبة في رقّادة ، وبعد سقوط دولتهم تحوّل إلى الأندلس واستقرّ بقرطبة واتصل بالخليفة المستنصر باللّه ، فألحقه بحاشيته ورتّب له جراية مناسبة ؛ وكان الورّاق شيخا صالحا ذا همة عالية وفيه شمم معروف ، قيل إن الأمير الحكم أراد امتحانه فهدّده بقطع جرايته ، فكتب إليه إبراهيم برقعة تحمل بيتين :
تزيد على الإقلال نفسي نزاهة * وتأنس بالبلوى وتقوى مع الفقر
فمن كان يخشى صرف دهر فإنّني * آمنت بفضل اللّه من نوب الدهر
فاسترضاه الحكم وزاد في جرايته - وتوفّي الوراق عن سن عالية في خلال القرن الرابع " * " .
ومنهم : محمد بن يوسف المشهور بالورّاق الذي تحوّل بعد إتقانه للعلوم والفنون في إفريقية إلى بلاط الأندلس ، وانخرط في سلك العلماء المؤلفين لحاشية الحكم الثاني بقرطبة ، وإليه ألّف جملة كتب في جغرافية بلاد المغرب ، مع اشتغاله بالوراقة الرفيعة " * * " .
ومما تقدم يتّضح أن " بيت الحكمة " الإفريقي إنما أنشأه أمراء بني الأغلب بنية نشر الثقافة العالية في غير المادة الدينية التي كانت دراستها موقوفة على جامع
هامش
( 12 ) الورقات 2 : 153 - 168 .
( * ) التكملة لابن الأبار [ 1 : 148 ] .
( * * ) المصدر نفسه [ 2 : 155 ] .