إليه أن صلاح الدين الأيوبي لما افتكّ ملك مصر من الفاطميين وعزم على تعطيل المذهب الإسماعيلي أمر بهدم " دار العلم " الفاطمية وأنشأ مكانها مدرسة للشافعية أي لعلوم السنّة خاصة ، وقد أطال المقريزي في بسط الكلام على ذلك في خططه ، فليراجع في محله .
ولزيادة الفائدة نقول إن " دار العلم " المصرية غير خزانة العزيز باللّه للكتب ، ولا هي خزانة المخطوطات التي كانت توجد داخل القصور كما توهّمه بعض المؤرخين ، بل إن " دار العلم " كانت تحلّ مكانا خاصا يقع بجوار ( القصر الغربي ) من قصور الفاطميين بالقاهرة المعزية ، نبّهنا على ذلك لئلا يحصل التباس لمن يبحث عن هذه المؤسسات .
انتشار صناعة الكاغذ
" الكاغذ " كلمة صينية تسرّبت إلى اللغة العربية حينما أخذ العرب صناعة الورق عن سكان الصين في أواسط القرن الثاني للهجرة وقلّدوا عمله عنهم في خبر طويل ليس هذا محله ، وقد حافظ أهل المغرب عموما على التسمية الصينية ، أما في الممالك الإسلامية الشرقية فصار ينعت باسم الورق .
ولا ريب عندي أن ورق الكاغذ كان يصنع في القيروان وفي رقّادة ، نقلت إليهما طريقة عمله من بغداد ومن مدينة الفسطاط في خلال القرن الثالث ، ومن القيروان تحوّلت إلى ( بلرم
Palermo
) عاصمة صقلية الأغلبية ، ثم تسربت صناعته إلى جنوبي بلاد إيطاليا مثل مدينة ( ساليرنو
Salerno
) وخصوصا ( فابريانو
Fabriano
) ومنها إلى إمارات جرمانيا في قلب أوروبا ، مما ساعد على اختراع فن الطباعة في ألمانيا بعد حين ، ومن المسلّم أنه لولا وجود ورق الكاغذ لما تيسر السبيل لهذا الاختراع الذي كان سببا أصليا في نهضة الممالك الأوروبية .
يهمّنا من هذا أن ظهور الكاغذ العربي في صقلية وفي جنوب إيطاليا تم قبل أن يجتاز جبال البرانس ( البرينات ) ويدخل إلى فرنسا عن طريق المغرب الأقصى ( مدينة سبتة ) ومن الأندلس ( مدينة شاطبة
Xativa
) بمائة عام على أقل تقدير .
وفي المكتبة العتيقة بجامع القيروان نماذج قيّمة من هذا الكاغذ القديم ، مما