وجملة القول إن مساعي أمراء الأغالبة في توثيق العلاقات بين الشرق والغرب ، وفي ميدان الثقافة ونشر العرفان في ممتلكاتهم بالخصوص ، كان مجهودا عظيم الشأن ، قوي الأساس والبنيان ، قلما تأتّى مثله لغيرهم من الأسرات المغربية في عصرهم . ومن دواعي الأسف الشديد أن يجتهد الفاطميون - خلفاؤهم في الملك - في طمس معالمهم ، وإخفاء أخبارهم ومزاياهم ، آملين من جرّاء ذلك ألا يبقى إلّا صيت الفاطميين ، وألّا يكون الفضل إلا لهم ، وقد بلغ بهم الإسراف أن أزالوا أسماء بني الأغلب المنقوشة على المعالم والرسوم وعوّضوها بألقابهم ونسبوها لأنفسهم " * " وتأبى الأبحاث الأثرية إلا أن تفضح عملهم وترجع الفضل إلى ذويه ( ويحق الحق ، ويزهق الباطل ) على أنّا لا نريد من قولنا هذا استنقاص مزايا ملوك الفاطميين وما كان لهم من العناية الكبيرة بشأن العلوم وبثّها في الأصقاع الإفريقية وتنشيطهم لحركة التأليف في الآداب والفنون .
لكن الحقيقة التي لا مراء فيها أنه لولا الجهود الجبّارة والمساعي المتتابعة التي بذلتها الأسرة الأغلبية طوال مدّتها ، بعزيمة صادقة وإخلاص نادر ، لتكوين دولة عربية شامخة ذات شوكة قوية ونظم إدارية متينة في أصولها وفروعها ، ولا سيّما تفرّدها بأسطول عتيد لم ير العالم الإسلامي مثيله في البحر المتوسط ، قلت لولا ذلك كله لما تسنّى لعبيد اللّه المهدي وأبنائه الفاطميين من بعده إنشاء أمبراطورية ضخمة امتدّ سلطانها من الغرب إلى الشرق في مدة وجيزة جدا ، وما
هامش
- التذكاري للمستعرب ، ليفي بروفنسال - المنشور في باريس سنة 1962 - ص 175 وما بعدها .
( * ) جاء في رياض النفوس [ 2 : 65 ] . كذا في غيره من كتب التاريخ والتراجم : " وأمر عبيد اللّه ( المهدي ) أن تزال من الحصون والمساجد أسماء الذين بنوها وأمروا بها من السّلاطين ، وأن يكتب اسم المهدي . . . بدلا منها . " ومنذ ألف سنة يصرخ الجاحظ بأعلى صوته قائلا : " . . . من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم ، وأن يميتوا ذكر أعدائهم ، فقد هدّموا بذلك السبب أكثر المدن وأكثر الحصون ، كذلك كانوا أيام العجم وأيام الجاهلية ، وعلى ذلك هم في أيام الإسلام . . . وكما هدّم زياد كل قصر ومصنع لابن عامر ، وكما هدّم أصحابنا [ العباسيون ] بناء مدن الشامات لبني مروان " كتاب الحيوان للجاحظ [ 1 : 73 ] .