المغرب - من الأندلس إلى آخر برقة - فإن اللغة السائدة فيها سواء في الشؤون الرسمية أو في رسوم الديانة هي اللاطينية خاصة ، ولذا اضطر كثير من العرب الأفارقة إلى تعلّمها وإتقانها تكلما وكتابة ، لما يفرضه عليهم امتزاجهم بالعناصر المحلية ومجاورتهم المستمرة لبقايا الرومان والمسيحيين المقيمين في بلادهم ، سواء كانوا في الشمال الإفريقي أو في الأندلس أو في صقلية .
ولهذا السبب نفسه نجد كل ما ترجم من المؤلفات الأعجمية في الأصقاع المغربية إنما نقل عن اللاطيني لا غير ، فلا غرابة - والحال تلك - أن يهتمّ مؤسس ( بيت الحكمة ) الإفريقية وخلفاؤه بنقل ما كان سهل التناول لديهم مع الاستعانة في التحقيق ببعض القساوسة الصقليين الخاضعين لسلطانهم ، ولا ننسى أن الثقافة عند الإفرنج في تلك العهود كانت مقصورة على الرهبان دون سواهم .
وقد عثرنا في المكتبة العتيقة المحفوظة في جامع عقبة بالقيروان على نسخة من ترجمة عربية لكتاب " تاريخ الأمم القديمة " نسب وضعه إلى القديس المسيحي ( يرونيم الروماني -
Saint Gerome
) المتوفى سنة 420 م . ولا ثاني لهذه النسخة فيما علمنا " 11 " ، وقد رسم على هوامشها بعض كلمات بالحروف اللاطينية منها تسمية المؤلف أي ( يرونيم ) " * " .
هامش
( 11 ) هي مجموعة أوراق عدّتها ( 31 ورقة ) تامّة من آخرها مبتورة من أولها ، قد عاثت الأرضة فيها فسادا وتآكلت أطرافها ، نشرها المستشرق الإيطالي المعروف ليفي دلافيدا كلّها مع ترجمة إيطالية وقدّم لها بما كتبه عنها في الكتاب التذكاري للمستعرب ليفي بروفنسال الذي أشار له المؤلف . وقد نشر هذا البحث بعد وفاة محرره دلافيدا ( 1886 - 1967 ) ضمن كتاب ضمّ مجموعة من أبحاثه المتصلة بالتاريخ الثقافي للأندلس ، أشرفت عليه وأعدّته المستشرقة الإيطالية الشهيرة ماريا نلّينو ، ونشر في روما سنة 1971 ضمن منشورات معهد الشرق - الحلقة 65 - من ص 123 - 192 .
ولا ندري من أين جاء المؤلف باسم الكتاب " تاريخ الأمم القديمة " واسم المؤلف " يرونيم الرومانيSaint Gerome" ذلك أن الأوراق المشار إليها ليس فيها ما يفيد عن مؤلفها وعنوانها ، ويرونيم المذكور قد ذكر في ثنايا خبر ورد في هذه الأوراق .
( * ) يراجع ما كتبه صديقي الأستاذ الكبير : جورجوليفي دي لافيدا - في مجلة الأندلس الإسبانية سنة 1954 ص 259 ثم الفصل الممتع الذي خصصه لهذه الترجمة في الكتاب -