شؤون الحكومة ما عدا الوظائف الحربية التي لا يتولّاها إلا من ينتسب إلى البيت الأغلبي ، جريا على القاعدة التي سنّتها دولة بني أمية العربية ودأبت على اتباعها مدة خلافتها .
والظن الغالب - البالغ درجة اليقين - أن الأمير إبراهيم الثاني تخيّر بعض المصنّفات اللاطينية في العلوم الرياضية التي اطّلع عليها ، وكلّف بترجمتها بعض الرهبان الصقليين المتكلّمين باللغة العربية ، وألحق بهم بعض علماء اللغة من الإفريقيين ، وعهد إليهم مهمّة تنقيح عباراتهم وسبكها في قالب عربي صحيح ، رغبة منه في تعميم فائدتها ونشرها بين الناس .
ومما يؤيد هذا الظن ما ذكره ( حسن الوزّاني -
Leon l'Africain
في رحلته المشهورة من أنه رأى في بلاد إفريقية ( تونس ) ترجمة كتاب ( بلينوس -
Plinus
) الروماني " 10 " في علم النبات باللغة العربية ، ونعلم يقينا أن هذا الكتاب المفيد جدا الذي نقل عنه العشّابون المغاربة كثيرا فيما بعد ، لم تقع ترجمته بالأندلس في مدة عبد الرحمن الثالث ولا في أيام ابنه الحكم الثاني كما يتبادر للذهن أول وهلة .
ولا يفوتنا أن نذكّر القارئ الكريم أن ما ترجم من أمهات الكتب الأعجمية في ممالك الشرق الإسلامي إنما نقل عن اللغات التي كان لها رواج بالمشرق في زمن الفتوح العربية : كاليوناني والسرياني والفارسي والهندي ، ولم نقف البتة على اسم كتاب واحد ترجم من اللسان اللّاطيني إذ لم يكن منتشرا وقتئذ هناك ، أما بلاد
هامش
( 10 ) إذا كان المؤلف يقصد كتاب " كنز الفلاحة " المذكور عند الوزّان في وصف إفريقية 1 :
80 ، فإن ما ذكره هذا الجغرافي عنه يفيد أنه ترجم من اللّاتينية إلى العربية في الأندلس أيام المنصور بن أبي عامر .
والملاحظ أن الوزّان لم يسمّ مؤلف " كنز الفلاحة " ولم ينسبه لشخص بعينه ، و ( بلينوسPlinus) الروماني لذي أضاف المؤلف الكتاب إليه لا ذكر له في ما ترجم من مؤلفات لاتينية إلى العربية . ولعلّ المؤلف قد اشتبه عليه ب " بلينيوس "" Plinius "وهو كيميائي يوناني له تآليف في النبات ويختلف المترجمون العرب في رسم اسمه بالعربية :
بلونيوس ، بليناس ، بلينس ، بلينوس ، بولينياس ، ينظر عنه : سزكين : تاريخ التراث العربي 4 : 77 - 91 ، 315 - 317 .