قد يكون من الصعب الجواب عن هذه الأسئلة ، إذ أن المراجع التاريخية التي لدينا لم تزوّدنا بشيء من المعلومات عن هذه الناحية ، أضف إلى ذلك ضياع جلّ المصادر المحلية القديمة لأخبار إفريقية التي يتوقّع أن تكشف لنا الغطاء عن بعض المشاكل العارضة لنا اليوم ، ومن جملتها معرفة مآثر المتقدمين ، فلنحاول - حينئذ - تعويض ذلك بالاستنتاج والمقارنة بما كان موجودا في الممالك الإسلامية المعاصرة ، وإذا أعوزتنا هذه الطريقة فلنتخيّل على الأقل ما كان يجب أن يكون ، فإن أصبنا المرمى فذلك المبتغى وإلّا فقد نكون اجتهدنا ولم نصب ، كما يعرض لكل باحث ، وعلى من يأتي بعدنا أن يمحص ويحقّق إن وجد إلى حلّ تلك المشاكل سبيلا .
بيت الحكمة والترجمة
تثبت المصادر التاريخية التي بين أيدينا أن الثلاثة الأمراء من بني الأغلب :
( إبراهيم الأصغر ، وابنه عبد اللّه الثاني ، وزيادة اللّه الأخير ) كانوا يحسنون اللسان اللاطيني " * " المؤخّر
( La langue romane )
الدّراج في ذلك العصر في الممالك الإفرنجية الغربية ، والرائج استعماله أيضا بين جانب من سكان إفريقية التونسية الذين تمسّكوا - منذ الفتح العربي - بمعتقدهم المسيحي ، وقد حذق أولئك الأمراء الثلاثة هذا اللسان حينما كانوا مباشرين ولاية صقلية ، وما منهم إلا وقد أقام مدة طويلة بتلك الجزيرة ومارس في خلالها لغة الشعب الذي تحت ذمته وراجع لحكمه ونظره ، فلا يستغرب - والحال تلك - من اهتمامهم بالمصنّفات المؤلفة باللغة اللاطينية ، ولا يستبعد - بل المتوقع - أن إبراهيم الأصغر ، وهو من هو ؟ أمير عالم ذكي ألمعيّ ، تعلّقت همّته بترجمة بعض المؤلفات اللاطينية المناسبة لذوقه وميوله ، لا سيما وأنّا نعلم أنه كان يوجد في حاشيته جماعة وافرة من الموالي الصقليين - لا الصقالبة - الممتازين بالدراية والحنكة ، مثل الفتى ( سوادة النصراني ) والفتى ( بلّاغ ) ناظر دار ضرب المسكوكات ، و ( شكر ) وغيرهم ، فإنهم كانوا في صغرهم مسيحيين ، وجلبوا من جزيرة صقلية ، ثم أسلموا وكلّفوا ببعض
هامش
( * ) كتاب طبقات علماء إفريقية للخشني ص 262 .