تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 650

مساهمون:

ص٦٥٠
أهدي إليهم ، وفي نهاية الأمر نقلوها جملة إلى القاهرة المعزية لما امتلكوا البلاد المصرية - سنة 362 ه / 973 م . ولنعد إلى مقاعد " بيت الحكمة " فالظاهر أن قاعاته كانت مفروشة بأنواع من الحصر واللّبود الجميلة من الصنع المحلي ، وتتخلّلها طنافس ( زرابي ) مخصّصة لجلوس وجوه المطالعين ، وكبار الباحثين كالمدرسين ورجال الدولة ، ولا يخفى أن إفريقية التونسية كانت آنذاك مشهورة بنسج الزرابي الوفيرة حتى أنه كان يرفع منها جانب عظيم إلى الخلفاء العبّاسيين من جملة الخراج السنوي ، وإذا ما حضر الأمير مجلسا من مجالس الدروس والمناظرة نصب له سرير ( كرسي ) يتربّع عليه لينصت إلى المناقشات الدائرة ، حسبما يأتي ذكره بعد " 8 " . وبجانب خزائن الكتب كان يوجد ، في أركان بعض القاعات ، دولاب أو دواليب تحفظ فيها الآلات الفلكية لحساب سير الكواكب ورصدها : كالاسطرلابات والمقنطرات والجيوب وما يشبهها من أدوات البحث وتحقيق الأوفاق ، وضبط الأطوال والعروض ، مما يستعمل في علمي الفلك والتنجيم ، ولا خفاء أن التنجيم أي الرغبة في استكشاف المغيّبات كان مما استهوى قديما ميول الرؤساء والكبراء ، واستحوذ على شهوة ملوك المسلمين وغير المسلمين بالسواء . وبالجملة فإن " بيت الحكمة " كان في آن واحد مجلسا للدراسة والمطالعة ، ومحلا لنسخ الكتب ومقابلتها على الأصول المعتمدة ، وكان مرخصا للنسّاخ أن يحلّوا في أماكن معدة لهم سواء أكانوا ينسخون لأنفسهم أو لغيرهم بالأجرة ، كما يسمح للمطالعين مراجعة المؤلفات النادرة في أوقات معينة ، وكذلك استعمال الآلات الفلكية التي لا توجد إلّا هناك . ونعلم يقينا أن هواة المخطوطات كانوا يأتون من القيروان ومن غيرها لمطالعة الأصول الصحيحة المحفوظة في رقّادة ومراجعتها ، ويقيمون الأيام الطويلة في سبيل نسخها وتحقيقها ، حكى ابن الوكيل المؤرخ القيرواني ، قال " * " :
هامش
( 8 ) ينظر ما يلي ص 659 . ( * ) طبقات النحويين واللغويين [ ص 236 - 237 ] .